فعلى الرغم من المعرفة المسبقة بأن
الوجهة المشهورة إلى معركة المعاناة
الصامتة وربما خسارة الحياة الزوجية هو
العمل، وخاصة في المجال الصحفي، تغامر
القليل من النسوة من ذوي الإرادة
الكبيرة في الولوج إلى أروقة المؤسسة
الإعلامية حيث تدور هناك أحداث درامية
واقعية لمجتمع نسوي غامض يواجه عنف صامت
من مسؤولين ومجتمع على حد سواء تحت
مسميات عديدة لعل أقربها "العنف
الوظيفي".
تقول سميه غازي، صحفية بوكالة الأنباء
اليمنية سبأ:"إن السبب الأكثر شيوعاً
وراء عدم إقدام الطرف الآخر للزواج من
الصحفية هو طبيعة عملها الذي يفرض عليها
التعامل مباشرة مع الرجال".
يمتاز اليمن بانتشار الأعراف
والتقاليد القبلية التي من شأنها لا
تحبذ الاختلاط والتعامل المباشر بين
المرأة والرجل غير الأقرباء حتى لو كان
في العمل كمستشفى أو مدرسة أو صحيفة تحت
مبررات فلسفية يثبت الزمن والمجتمع أن
الكثير منها لم يعد صالح، ومن هذا
المنطلق تكسب شريحة الموظفات الصحفيات
سمعة طيبة لمواقفهن الصلبة وإصرارهن
على الكفاح المتواصل ضد الكثير من
المعوقات المصطنعة ضد المرأة.
ومحاولة لتقريب الصورة، تقول غازي :"لقد
كان قرارا صعبا حينما أصريت بقوة على
الدراسة بكلية الإعلام، لقد كان صعبا
جدا تحقيق رغبتي وحلمي في احتراف مهنة
الصحافة وأن أصبح صحفية بسبب رفض أسرتي
المتواصل لمهنة الصحافة نفسها".
المرأة في اليمن – والتي اشتهرت بحكم
الملكة بلقيس والملكة أروى – تتمتع
بحرية واسعة أكثر من أخواتها في دول
الخليج المجاورة بشبه الجزيرة العربية،
حيث تعرف اليمن كبقية دول الخليج العربي
بعمق بيئتها الدينية ومجتمعاتها
المحافظة.
ولكن هذه الحرية ليست كثيرة أو واسعة
بالمعنى الدقيق حسب تأكيد هناء الأسطى،
صحفية بجريدة السياسية الحكومية
اليومية، حيث أن حقيقة مساحة الحرية
المتاحة تظل غير مقبولة أمام العادات
والأعراف القبلية للشعب اليمني. وتضيف
الأسطى :"لا يوجد هناك سياسة واضحة لحقوق
المرأة، كما أن المعرفة بهذا الشأن
قليلة جدا".
وتقول هناء الأسطى :"لقد مرت ثمان سنوات
منذ أن بدأت أعمل كصحفية، ولكن طيلة كل
هذه المدة لم أشعر بالرضا والاستقرار في
عملي، فأهلي يرفضون دوما السماح لي
بالخروج لعمل تغطيات صحفية في الميدان،
كما أن زملائي ومدرائي ينظروا إلينا على
أننا صحفيات من الدرجة الثانية ولا
نستحق الترقيات الوظيفية مثلهم".
"هذه هي حقيقة مجتمعنا،" على حد قول
الأسطى التي تردف قائلة :"فإذا ما جلست
الواحدة منا على كرسي ووضعت معداتها
الصحفية من مسجلة وكاميرا على الطاولة
لإجراء حوار صحفي أو مقابلة مع رجل،
فإنها مما لا شك فيه ستواجه مشكلة كبيرة
مع عائلتها، بالإضافة إلى أن الناس
سيرمقونها بنظرات اتهامية ويتحدثون
عنها بكلام يجرح كرامتها.. علاوة على أنه
من الممكن أن تفقد احترامها أمام
زملائها".
وبالفعل، يبدو أن ممارسة مهنة الصحافة
يحفها الكثير من المخاوف. إنها قضية
تجرع مرارة الصمت والاحتفاظ بالسمعة
الجيدة للعائلة مقابل التنازل عن
الكثير من الحقوق الإنسانية والمهنية
للإعلامية في وظيفتها التي ربما لا يحقق
عائدها المالي أي نوع من أنواع الرفاهية
بقدر ما يسد بعض المتطلبات الحياتية.
على خلاف القطاعات والمؤسسات الأخرى،
تقول بلقيس حنش – صحفية بجريدة الثورة
الرسمية اليومية - :"لا توجد هناك مشاكل
كثيرة تواجه المرأة اليمنية حينما تعمل
كدكتورة أو مدرسة لسبب أن المرأة في مثل
هذه الوظائف تشتغل في أماكن عادة ما
تكون معزولة عن الرجال وتتعامل فقط مع
النساء والأطفال وهذا يختلف تماما عن
العمل في المجال الإعلامي كصحفية...
للأسف مجتمعنا وأحيانا بعض زملاء
المهنة ينظر إلى الصحفية على أنها خارجة
عن مألوف عادات وتقاليد الآباء
والأجداد".
وتشير بلقيس إلى أن البيئة الثقافية
والمستوى التعليمي للمجتمع يجعل من
الصعوبة بمكان أن تسمح العائلات
لبناتهم بأن يعملن في مجال الصحافة...
كما أنها تشكل عوائق صعبة جدا أمام
الصحفيين تحيل بينهم وبين الزواج من
زميلاتهم الصحفيات ولهذا السبب "نجد أن
عدد الصحفيات المتزوجات قليل جدا
مقارنة بالموظفات المتزوجات في مؤسسات
مهنية غير إعلامية".
وتضيف بلقيس :"الصحافة هي التعامل مع
مصادر المعلومات، والصحفية لا تستطيع
الحصول على سبق صحفي بسبب أنها حينما
تتواصل مع مصدر معلومات – رجل مثلا -
يتعامل مصدر المعلومات هذا معها بشكل
غير جاد علاوة إلى أن الاتصال يتحول إلى
مسألة هزليه واستهزاء بالصحفية".
محرومات حتى من الترقيات المستحقة في
أماكن عملهن، موظفات صامتات يعانين
بصمت موجع حتى لا يجدن أنفسهن في معركة
مع المجتمع أو في حرب مع مسؤول متجبر
تكون نتيجتها خسارة وظيفة شقين بكد في
الحصول عليها. وبحسب "بلقيس" فإن مكتسبات
قليلة فقط تنالها الصحفية نظير جهد
مضاعف، في حين أن زميلها ينال ترقية
لمجرد دعوته لرئيسه في العمل إلى بيته
لطعام الغداء فينال بذلك رضا المسؤول
عنه، ولكن الموظفة لا تستطيع القيام
بهذا الدور الالتفافي لخاصية ظروفها
الأنثوية في المجتمع.
وتحذر بلقيس من مواجهة سياسة "حرق
الشخصية المباشر" فيما لو حاولت الصحفية
الدفاع عن حقوقها الوظيفية، وستتعرض
للتفتيش عن إجازاتها المرضية وشؤونها
الشخصية لثنيها عن المطالبة بحقوقها أو
حتى الدفاع عن نفسها.
ويبدو أن منظمات وجمعيات حقوق الإنسان
بعيدة عن الوصول إليهن، أو أنهن لم
يستطعن الوصول إلى تلك المنظمات
والجمعيات. تقول نادية محمد، ناشطة
حقوقية يمنية، أن الحياء والخوف يعد سبب
رئيسي في المسألة، بالإضافة إلى أن
الكثيرات لديهن أحكاما مسبقة بعدم جدوى
منظمات حقوق الإنسان حيث يشعرن أنه من
المستحيل تحقيق ولو أقل القليل من
حقوقهن المهدورة بين زوايا مجتمع
تقليدي، وبالتالي "يرضين بأقل القليل".
وتشير نادية إلى أن الصحفية مستهدفة
بمحاربة كرامتها ووظيفتها ولقمة عيشها
أمام مسؤول "متنفذ" أو "مسنود" أو حتى
قادرا على قلب الحقائق وتجيير زملاء من
ذوي النفوس الضعيفة للشهادة ضدها فيما
لو دافعت عن حقوقها.
واقع أخر ليس بجديد بالنسبة لمجتمع
الإعلاميات، تقول صحفية ومذيعة –
اشترطت عدم ذكر اسمها- تقول بأنها دفعت
ثمناً غاليا مقابل الاحتفاظ بمهنتها
ووظيفتها.
القصة كما تحكيها: "قبل حوالي أربعة
أشهر، زوجي السابق – صحفي في إحدى الصحف
الخاصة- طلقني في الأسبوع الأول من
زواجنا بسبب سمعته واعتراضه على مهنتي
ووظيفتي في مجال الإعلام".
في جلسة حوار، ناقشها زوجها السابق عن
مستقبلها المهني والوظيفي وأمرها
بالتوقف الفوري عن العمل كصحفية لأسباب
تعددت بين الوهن والضعف، طالبا إياها
بأن تشتغل بالتدريس أو أي وظيفة إدارية
أخرى بدلا عن الصحافة... وبعد جدل لم يدم
طويلا، سرعان ما أجبرها على الاختيار
بينه وسعادتهم الزوجية وبين وظيفتها.
موزعة نظراتها على أركان المكتب الذي
تجلس عليه، تقول بعيون ممتلئة
بالاستغراب: "لم يترك لي خيار... لقد
اخترت وظيفتي ومهنتي الصحفية... نعم لقد
خسرت الحياة الزوجية ولكني أحب وأحترم
عملي".
محمد العزكي - صحفي يمني