في اربيل،
35 كم شمال بغداد، ترى مشاهد هؤلاء الأطفال يتجولون في شوارعها، ويحملون علب
العلكة، والحلويات أو المناديل الورقية، وأشياء أخرى لبيعها للمارة، وأصحاب
السيارات في إشارات المرور.
المشهد دائم
لا يختفي، تراهم يرتدون معاطف تقيهم مطر الشتاء، ويضعون قبعات على رؤوسهم صيفاً
للوقاية من أشعة الشمس.
برزت تلك
المشاهد في إقليم كردستان العراق، بشكل ملحوظ بعد حرب1991، عندما تدهورت الأوضاع
المعيشية للأسر، وأخذ الأطفال يعملون لتأمين بعض الموارد المالية لأسرهم.
وتشير دراسة
ميدانية أجرتها مؤسسة رعاية الأطفال باربيل العام الماضي، 2007، إلى وجود 8246
طفلا، معدل أعمارهم بين 13-14 عام يعملون في اربيل، و4067 آخرين في مدينة
السليمانية، و2565 طفلا في دهوك.
التعاطي مع
عمالة الأطفال يختلف من مجتمع لآخر، ومن أسرة إلى غيرها، فهناك بعض العوائل الميسورة
التي تفضل أن تزج بأبنائها في سن مبكرة إلى سوق العمل، ليتعلموا بعض المهارات، دون
أن يكون الدافع المادي هو الهدف، فيما عوائل أخرى تدفع بأطفالها لسوق العمل لتأمين
احتياجاتها.
ويمكن تقسيم
الحالة الأخيرة، العمل بدافع الكسب المادي إلى أكثر من نوع، فهناك الأطفال الذين
يقومون مقام رب الأسرة، ويتولون إعالة أسرهم لغياب المعيل أو عدم قدرته على العمل.
كما هو حال
الطفل مصطفى محمد، 11 سنة، الذي يبيع العلكة، والحلويات في شوارع مدينة اربيل،
ويتولى مع شقيقاه مهمة العمل، بدلاً عن والدهم المسن.
ويقول محمد،
لـ"نيوزماتيك"، "عددنا عشرة أفراد، والدي لا يعمل منذ سنوات، لأنه مسن،
ولا يتقاضى أي راتب، وأعمل مع إثنان من أشقائي الأكبر سناً، لنؤمن احتياجات
العائلة".
نوع آخر،
يتمثل في رغبة بعض أولياء الأمور في التخلص من مسؤولية أبنائهم في جوانب عدة، خاصة
التعليم، فيدفعوهم إلى العمل أياً كان، وهمهم الأساسي أن يأتي الطفل آخر النهار
ببعض المال.
في هذه
الحالة، تلعب ثقافة المجتمع دوراً، حيث الإعتقاد السائد هو أن عمل الأطفال ليس
انتهاكاً لحقوقهم أو للشرائع الدولية، بل من المسائل الضرورية التي تساعدهم حتى
يصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم بعد ذلك.
الطفل نوزاد
رزكار 8 سنوات، يسكن منطقة كسنزان 10 كم شرق اربيل، من تلك النوعية.
يقول، إن
"والده يعمل بشكل متقطع كعامل بناء، يذهب أياما قليلة للعمل، لذا الدخل لا
يكفيهم، ويطالبه بالذهاب للعمل في السوق".
وأضاف رزكار،
في حديث لـ"نيوزماتيك"، "مضى عام علي، وأنا آتي في الصباح الباكر إلى
مركز المدينة، وأتنقل بين شوارعها لبيع بعض الأشياء البسيطة، وأعود عصراً للمنزل
لأقدم ما حصلت عليه من نقود لعائلتي".
وعن عدم
تلقيه التعليم هو وأشقاءه الخمسة قال، إن "والده يردد دائماً أن إلحاق الأطفال
بالمدارس بحاجة إلى أموال لشراء الملابس، واحتياجات الدراسة، وهو لا يستطيع توفير
ذلك لهم".
تأثيرات سلبية
عديدة تنجم عن انخراط الأطفال في العمل خارج المنزل، يحصرها الباحث هيوا محمد في
تسعة تأثيرات، ويقول في كتاب له صدر هذا العام 2008، عن وزارة حقوق الإنسان، إن
"الانحراف المؤقت، والدائم أحد هذه التأثيرات السلبية"، ويوضح أن
"التدخين نوع من الانحراف المؤقت في سلوك الأطفال الذين يعملون في السوق،
بالإضافة إلى جنوح الطفل نحو العنف".
ويحصي الكاتب،
آثاراً أخرى على الصعيد النفسي والصحي، "تنجم عن اختلاط الأطفال بأناس يمكن
أن يؤثروا عليهم بسلوكهم السلبي، ومن الناحية الصحية، يقول "يؤثر العمل الشاق بالسلب على صحة الطفل، من
ناحية نموه مقارنة بغيره من الأطفال الذين لا يعملون".
وتشير دراسة
ميدانية لمؤسسة رعاية الأطفال، إلى أن 22% من الأطفال الذين يعملون في اربيل
تعرضوا لإصابات عمل مختلفة.
عوامل سلبية
أخرى لعمالة الأطفال، يراها الباحث، في "تراجع قيم التربية الأسرية عندهم،
لتراجع تأثير الأسرة على الطفل الذي بات يعتقد بأنه أصبح كبيراً، ولم يعد في حاجة
إلى الآخرين".
ويضيف محمد،
أن من سلبيات عمل الأطفال، "تأثر المجتمع بصورة عامة، نتيجة وجود أعداد كبيرة
من مواطنيه، يقعون تحت تأثير عوامل سلبية".
وأظهرت الدراسة
الميدانية التي أجرتها مؤسسة رعاية الأطفال في اربيل، بالتعاون مع منظمة حماية
الطفولة البريطانية، أن 63,4% من هؤلاء الأطفال الذين يعملون في اربيل، يرغبون لو
تتاح لهم الفرصة، في مواصلة الدراسة، والحصول على مؤهل علمي يمنحهم فرصة عمل دائم،
ودخل ثابت.
يقول الطفل
نوزاد رزكار، "عندما أرى الأطفال، وهم يذهبون للمدرسة، أو عندما أتعرض
لمضايقات من الناس، والشرطة بسبب عملي وسط الساحات، وفي الشوارع، يراودني شعور بأن
أترك العمل والالتحاق بالمدرسة".
أما الطفل
مصطفى محمد، فيتمنى لو تحصل أسرته على دخل ثابت ليترك العمل، ويعود للمدرسة.
ويعتبر العراق
من الدول التي صادقت على الإتفاقية الدولية الخاصة، بحظر عمالة الأطفال تحت سن
الثامنة عشرة، لكن مشكلة الفقر هي من أبرز المعوقات التي تقف دون تطبيق تلك
الإتفاقية.
ويطرح مدير
مديرية رعاية الأطفال بوزارة العمل والشئون الاجتماعية، دلشاد محمود سلمان، حلول
للقضاء على عمالة الأطفال من خلال، "العمل على ملئ وقت الفراغ لدى الأطفال في
فترة العطلة الصيفية، عبر افتتاح المزيد من المراكز الرياضية، والفنية، وإشراك
الأطفال في دورات طيلة فترة العطلة"، إضافة إلى "قيام وزارة التربية بتشديد الرقابة على ضرورة
التحاق الأطفال بالمدارس في الفترة الإلزامية، وهي السنوات الدراسية التسعة الأولى،
ما يمنع تسرب الكثير من الصغار إلى العمل".
ويضيف سلمان،
"توعية الأسر بمخاطر عمل أطفالها، وتطبيق فكرة تحديد النسل على الأسر
المتدنية الدخل، التي لا قدرة لها على تربية عدد كبير من الأطفال".
أما الحل
الأخير بنظر مدير مديرية رعاية الأطفال، فهو "ضرورة إشراك الأب أو أي فرد آخر
بالغ في أسرة الطفل الذي يعمل، في دورات تعليم المهن، ومنحهم قروضاً صغيرة لإقامة
مشاريع تعينهم على إعالة أسرهم، وسحب أبناءهم الصغار من سوق العمل".(إيلاف)