لكنه في الحقيقة كان آدميا بل طفلا لم يتجاوز عمره الــ13عاما
..أسود الوجه أفطس الأنف ..حين تكلم كان صوته شاحبا موغل في البؤس كان البرد قد
جمد لسانه تماما بحيث جعل الأوتار الصوتية في حنجرته مشدودة ..
الساعة
2:30 بعد منتصف الليل والطفل عدنا سالم 12عاما الحديدة –بيت
الفقيه- نائما بجانب مركز الارتقاء لايدثره سوى كوت ممزق بينما يرتجف جسده
بردا كأن لسعا من تيار كهربائي يسري فيه تقدمت من هذا البائس الصغير الذي
ألقته الأقدار في وطن الضياع على قارعة الطريق محتبيا بخوف موغل في
تفاصيل وجهه الداكن .
يقول
عدنان أن أباه توفى مخلفا إياه و2من إخوته ووالدته.. إلا أن والدته تزوجت
رجلا آخر لتقوم بطرده من البيت "يا أخي أمي ما تشتيناش طردتنا من
البيت" هكذا قال عدنان حين سألته عن لماذا لاتذهب، إلى البيت ويضيف عدنان
ببؤس مؤلم يقطر الفؤاد منه أسى فيما تصطك أسنانه من شدة البرد "بيتنا بعيد
وانا ما أروحش لي في صنعاء نص شهر"
نصف
شهر من العذاب المقيم في قلب العاصمة وفي جولة القادسية بالتحديد ول ليلة أمر أرى
عدنان ملقٌ على الرصيف ..إلى أي حد تحجرت القلوب وماتت العواطف فلم تعد تنبض
بأدنى إحساس تجاه هذا الكائن الصغير الملقي على رصيف البؤس اليومي
..يعري هذا الطفل الوجوه والأقنعة ويسقط وضعه المزري زيف الشعارات
العريضة ومنظمات استدرار العطايا والمنح باسمه وباسم أمثاله
لا يجد عدنان مأوى يحتويه ويحترم آدميته
كلما
رأيت أشخاصا ,تعلمت منهم الكثير أو القليل ,منهم من يعلمك كل ما هو مفيد , ومنهم
من يعلمك كل ما هو جديد .. ولكن من يعلمك الإنسانية هو شخص نادر ومن
ليلة كنت وجدتي ذاتي مرميا في شارع يوخز جسدي برد قارص وبرؤية طفل
كعدنان تعلمت معنى الإنسانية والشعور بالآخرين ومعنى أن يصبح الإنسان ضائعا مشردا
لا تنتشله سوى أرصفة تتشابه مع بؤسه.
عدنان
سالم :كائن صغير بريء.. مقصي.. منسي.. غير مرئي.. طفل يمني .. مواطن يمني من
محافظة الحديدة المنهوبة .. لكنه في المرتبة صفر بل دون الصفر. طفل يمثل
الطفولة في البلاد في أدنى درجاتها.. يعيش في الشارع على مرأى الجميع
لكنه مستبعد عن أي حق إنساني.. محروم من التعليم والرعاية الصحية والحماية والحنان
وكافة ما يحتاجون له ليكبر ويزدهر.
هل
لدى منظمات المجتمع المدني وأحزابنا السياسية استعداد لتبني أوضاع الناس
والأطفال منهم خصوصا هل لدى مجلس النواب استعداد لتفريغ أقل جهدا ممكن من أجل
إعطاء قضية عدنان وأمثاله جزء بسيطا من معاركهم اللامتناهية حول قضايا
تافهة فيما أيضا صحافتنا منشغله بتمجيد الكبار وتلميع ورثة العرش الجدد..
هذا
عدنان من أراد أن يزوره فسيجده ملقيا هناك في غيبوبة ضياع مزمن بجولة القادسية .