وأمام المرأة خياران،
إما المواجهة التي لا تعرف عقباها، وإما السكوت والتظاهر بأنها لا تسمع شيئاً.
قد تبدو بعض العبارات أقل حدّة، لكن التحرشات اللفظية قد تصل إلى مستوى من الوقاحة
يصبح معه السكوت أمراً صعباً، خصوصاً أن هذه العادة أصبحت شائعة في كل الدول
العربية، ونادراً ما تقوم الجمعيات الأهلية أو القانون المدني بمواجهتها.
جمعية «كفى» الأهلية التي تعنى بحقوق المرأة تنبّهت إلى هذه الظاهرة التي
ليست بجديدة على المجتمع اللبناني، وصنفتها ضمن خانة السلوك الاجتماعي الذي يقع
ضمن خانة التصرفات الصبيانية، غير أن الناشطة في الجمعية ريتا غزال، ترى أن هذه
الظاهرة بلغت من الخطورة ما لم يعد بالإمكان السكوت عنه، إذ إنها تؤشر إلى نزعة
ذكورية نحو العنف الجنسي، وتعكس نظرة دونية تجاه المرأة ككائن جنسي، فضلاً عن أنها
تشكّل شرارة للكثير من المشاكل الاجتماعية من خلال إشارتها إلى فراغ وكبت يعاني
منه الشباب.
إحصائية مثيرة نشرتها إحدى الصحف اللبنانية تشير إلى أنّ ثلث نساء لبنان
تعرضن لحوادث التحرش أو الاعتداء أو الإساءة اللفظية.
المرأة تخشى التبليغ
وترى ريتا غزال من خلال دراسات اجتماعية أعدتها الجمعية، أن المشكلة
الأساسية تكمن في عدم وجود أي ضوابط اجتماعية وغياب قانون يحمي النساء من مختلف أشكال
التحرش الجنسي، بما فيها التحرش اللفظي الذي هو مؤذ بقدر ما هو مذل، وعدم وجود وعي
اجتماعي يحتم مواجهة تلك الإساءة التي تتعرض لها المرأة، مع غياب التعريف الواضح
لمصطلح التحرش اللفظي.
وتؤكد غزال أن معظم النساء لا يملكن الجرأة للتبليغ عن حالات التحرّش
الجنسي، بسبب نظرة المجتمع التي تحمل المرأة غالباً مسؤولية ما يقع عليها من أذى
خصوصاً ما يندرج منه في إطار التحرش الجنسي.
فكيف تعرف الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة التحرش
الجنسي؟
دأبت الجمعيات الحقوقية على إيجاد تعريف واضح وصريح للتحرش الجنسي، حيث
صنفته ضمن خانة السلوك الجنسي غير المرحب به، «مثل الاتصال الجسدي والتعرض للفرد،
وملاحظات الاختلاط الجنسي، وعرض المواد الإباحية والمطالب الجنسية سواء بالقول أو
من خلال الفعل».
ورأى تقرير للأمم المتحدة أن مجموعة واسعة من أشكال التحرش الجنسي محظورة
في معظم الدول النامية بموجب القانون.
خلل واضح
ماذا يقول القانون اللبناني في التحرش الجنسي؟
يتفق الخبراء القانونيون على أن الدستور اللبناني واضح بشأن المساواة في
الحقوق بين الرجال والنساء، لكنهم يختلفون حول نقطة أساسيّة تتعلق بحالات الاغتصاب،
حيث لا توجد قوانين عقوبات تحظر التحرش الجنسي، ما يعتبر خللاً واضحاً في القانون.
المحامي رولان عقل أكّد لـ«القبس» أنّ الكثير من النساء اللبنانيات يتعرضن
للتحرش الجنسي الذي أصبح ظاهرة شائعة، وأرجع أسباب انتشار هذه السلوكيات إلى نظرة
المجتمع الذكوري التي لا تزال تعتبر المرأة مخلوقاً جنسياً لإشباع غريزة الرجل
فحسب.
وأوضح المحامي عقل أنّ أغلبية حوادث التحرش الجنسي تقع في مكان العمل أو
الدراسة، أي حين تكون المرأة مرؤوسة من قبل رجل غريب، كما أن ثمة حالات تقع في
الشارع وداخل نطاق الأسرة على نطاق ضيق.
ويؤكد عقل أنّ معظم السيدات اللواتي يلجأن إلى القضاء لرفع قضية ضد
المتحرشين لا يلبثن أن يتراجعن عنها، خصوصاً عندما لا يصل التحرش إلى حد الاغتصاب،
حيث لا يمكن إثبات الواقعة من دون دليل ملموس غالباً ما تفتقر إليه المدعيات،
خصوصاً أن التحرش يحصل في غرف مغلقة، ما يجعل الشكوى تفتقد ركنها الأساسي وهو
الدليل.
ويتعامل القانون اللبناني بتساهل مع حوادث الاغتصاب مقارنة بقوانين أشد
صرامة، حيث تفرض عقوبة لا تقلّ عن خمس سنوات سجن، وسبع إذا كان المجني عليه
قاصراً، كما يعفى المعتدي من العقاب إذا تزوج المعتدى عليها.
كما أن القانون نفسه لا يعترف باغتصاب الزوجة من قبل زوجها ولو أدى ذلك إلى
أضرار نفسية وجسدية.
لابد من قوانين جديدة
مع إغفال القانون اللبناني عن حماية المرأة من العنف، أخذت بعض الجمعيات النسائية
على عاتقها هذه المهمة، من خلال تقديمها خدمات المشورة القانونية لضحايا الاعتداء
الجنسي، ومن بين هذه الجمعيات جمعية مكافحة العنف ضد المرأة، التي تستمع إلى ضحايا
تعرّضنَ للتحرش الجنسي، لتعليمهن حقوقهنّ القانونية وكيفية التعامل مع التحرش.
من جهة ثانية، بدأت الجمعية بالضغط لتعديل المواد التي تنطوي على تمييز في
قانون العقوبات واستحداث قوانين جديدة من شأنها ان توفر المزيد من الحماية للمرأة.
وانطلاقاً مما تقدم، تغيب الإحصاءات الدقيقة عن ضحايا التحرش، وإن كانت
ضحايا الاغتصاب هن الأكثر إثارة للاهتمام، علماً أن التحرش قد يتطور ليصبح اغتصاباً،
في ظل عدم وجود قوانين جذرية تعاقب المعتدي.(القبس)