حوّل الإيذاء النفسي والجسدي وفاء الى
إنسانة مسلوبة الإرادة، انطوائية، غارقة في همومها، تحاول أن تخفي جروحا وندبات
زرقاء عن أطفالها الثلاثة، الذين لم ينفكوا التوسل لوالدهم بان لا يرتكب جرما بحق
والدتهم "نبذته الأديان السماوية".
وسط تلك الأفكار "السوداوية"
التي صاحبت وفاء جراء انفصالها عن زوجها أو هجرانه أو تناولها لحبوب ضد الاكتئاب،
حظيت قبل اشهر بمساعدة مرشدات صحيات مدربات في برنامج القطاع الخاص لصحة المرأة
الممول من الوكالة الأميركية للدعم الدولي، في تجاوز محنتها وتخطي الألم دون خسارة
أسرتها.
تمكنت وفاء، بحسب قولها، من بناء جسور
ثقة مع المرشدات الصحيات اللواتي اقترحن عليها التوجه لمعهد العناية بصحة الأسرة
في عمان، لتتحدث مع الاختصاصي الاجتماعي حول الأساليب المناسبة للتعامل مع زوجها.
وبعد زيارات عدة للمرشدات شعرت وفاء
بارتياح نفسي، وبدأت تروي لهن تفاصيل إساءة زوجها لها أمام أطفالها، تلك الاساءة
التي دفعتها لمراجعة اختصاصي اجتماعي علمها كيف تحاور زوجها وتقنعه بان
"يتوقف عن تعذيبها"، بحسب ما قالت.
وتضيف وفاء لـ"الغد" تعلمت في
المعهد كيف أثق بنفسي وأكسب ثقة أولادي، تعلمت "انني انسانة قوية استطيع ان
امنح اولادي عطفي وحناني".
وبحسب إحصائيات صادرة من منظمات اردنية
تعنى بشؤون المرأة، تتعرض ما بين 250 - 300 سيدة سنويا للعنف الاسري، فيما أقرت
لجنة الشؤون القانونية في مجلس الاعيان خلال اجتماع عقدته مطلع العام الحالي مشروع
قانون الحماية من العنف الاسري.
ويعد هذا القانون نقلة نوعية لصالح
الاسرة عموما والنساء والاطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة الذين يشكلون
الغالبية العظمى من ضحايا العنف الاسري.
من جانبه، يقول مستشار الطب النفسي في
مستشفى الرشيد الدكتور محمد الحباشنة، "ليس للعنف الأسري ضد المرأة جواز
سفر"، موضحا انه يحدث بين كافة المراحل العمرية والطبقات الاجتماعية الفقيرة
والغنية، وبين فئات المتعلمين وغير المتعلمين.
وأرجع الحباشنة اسباب العنف الأسري الى
غياب الفهم الصحيح للعلاقة الزوجية ودور كل من الرجل والمرأة في الأسرة ومسؤولية
كل منهما تجاه الآخر، الى جانب قصور مهارات التفكير العلمي والاحتكام الى القواعد المنصفة.
ووصف الحباشنة تلك السلوكيات بأنها
"ممارسات سلبية سادت في الجاهلية".
وأضاف "حثت الأديان السماوية على
تكريم المرأة والإشادة بدورها الداعم في الأسرة والمجتمع، مبينا ان ان
ثقافتنا العربية غنية بنساء كان لهن أدوار هامة في مجتمعاتهن المحلية، حيث بلغن
رتبا عالية في القيادة والأدب.
واستطرد قائلا "وحتى تتمكن النساء الاردنيات
من استثمار طاقاتهن والإسهام الفاعل في بناء الوطن كشقائق للرجال فإنه لا بد
حمايتها وصون حقوقها ورفض أية ممارسات تهدف سلبها هذه الحقوق وايقاف أفعال عنف
تمارس ضدها".
وإلى جانب الدعوة لحماية النساء، قال
اختصاصي الامراض النفسية في وزارة الصحة الدكتور جمال العناني، ان العنف ضد المرأة
يترك تأثيرات جسدية ونفسية، سواء على المرأة ذاتها، او على اسرتها.
ويرى العناني ان الآثار الصحية من ابرز
هذه التأثيرات، مشيرا الى انها تؤدي الى الصداع المتكرر، أو احداث ألم في البطن من
دون سبب عضوي، أو الأرق، أو ضيق بالتنفس، أو الم في الأطراف، أو حدوث ندبات،
أونزيف في مواقع الاعتداء.
وأفاد العناني، وهو مدير مركز تأهيل
المدمنين الحكومي، لـ"الغد" أن بعض النساء اللواتي تعرضن للعنف يلجأن
الى استخدام مضادات الاكتئاب ما يوصلهن الى طريق الادمان، حيث يؤدي العنف إلى
تدهور الحالة النفسية للمرأة بشكل عام وفقدانها لثقتها بنفسها وشعورها بالذنب
والقلق، ما يفقدها الإحساس بالأمان.
من جهتها، اشارت المحامية فاطمة المؤقت
من مركز الإرشاد القانوني والاجتماعي ان ظاهرة العنف الاسري "من الظواهر التي
يحاول المجتمع اخفاؤها".
ورأت ان مشروع قانون العنف الاسري
المؤقت أنه "اي سلوك يقع داخل الاسرة سواء كان لفظيا او نفسيا او جسديا ويشمل
ذلك الايذاء والصدمات والضرب والاغتصاب الزوجي والممارسات التقليدية ومنها تشويه
الأعضاء التناسلية او تفضيل الاولاد على البنات او الزواج المبكر".
وتقول وفاء "تحولت مع مضي الوقت امرأة
تدافع عن حقوق النساء المعرضات للعنف الاسري كقصة نجاح عززتها مرشدات صحيات ومعهد
يحاول جاهدا مساعدة النساء بالوصول الى طريق سليم ينعكس ايجابيا على حياتهن
ويجعلهن نساء فاعلات في المنزل والمجتمع ".(الغد)