لا تتردد الصحافة المطبوعة مثلا في طرق ابواب الموضوعات
الحساسة، خصوصا الاقتصادية منها، والتي تلامس حياة العمانيين اليومية.
عمان تحديدا، ربما بشكل يختلف عن الكثير من دول الخليج،
لم تكن دولة البحبوحة النفطية. ولكن العماني لا يستطيع الا ان يقارن بين حال
الرخاء النسبي الذي يعيشه الان، والحال الذي كان سائدا قبل عام 1970. فالبلاد شهدت
نهضة عمرانية واقتصادية مذهلة بكل المعايير رغم ان دخلها من الريع النفطي لم يكن
كبيرا. وبالنسبة للجيل الجديد، فأن اغلبهم ولدوا ليروا بنايات وشوارع فارهة كانت
تبدو حلما لآبائهم.
الخطاب الاعلامي في الصحف المطبوعة يحاول ان يقدم صورة
متوازنة عن التغيرات دون المبالغة في التذكير بحال الشح السابق، ولكن دون اهمال
حقيقة اهمية الانجاز.
الصورة النقدية لما يتم تداوله في وسائل الاعلام صحية.
فلا يتردد الصحفيون في نقل وجهات نظر العامة في تشخيص الكثير من المشاكل
الاقتصادية التي بدأت تبرز في البلاد مع ارتفاع اسعار النفط وموجة التضخم والغلاء
التي تضرب العالم وتصيب السلطنة بالنتيجة.
لا تقلّب صحيفة الا وتجد فيها مقابلات وتعليقات واراء حول
ارتفاع اسعار المواد الغذائية. وبحكم فورة الاعمار المتواصلة منذ عقود، فأن
الاسمنت، مثلا، صار قضية يتداولها المواطن العماني في احاديثه الكثيرة والتي تحرص الصحافة
على الخوض فيها.
العماني يستسهل بعض الشيء الاستنتاج ويربط الامر بعلاقة
الريال بالدولار. واذ في الامر بعض الصحة، الا ان الازمة الاقتصادية العالمية تهز
اركان دول العالم، تلك المرتبطة بالدولار او التي تستخدم عملة ثانية في تقييم اقتصاده
او حتى من تقيس الامور بسلة عملات.
الدولة لا تتحسس مما يُكتب، بل تجدها منصتة. وان كان
مسؤولو الاقتصاد والشؤون المالية يخوضون بالأمر بلغة الارقام (التي قد لا تكون
ميسرة للعامة)، الا ان الصحافة لا تقصر في النقد والانتقاد والتوضيح والإرشاد.
الوزراء العمانيون، وكبار مسؤولي الدوائر الحكومية،
مستمعون جيدون ايضا لبرامج الاذاعة والتلفزيون المباشرة. فثمة جيل، ليس شيخا بمعنى
السن، يحاول ان يقدم افكاره بالكلام والاتصال الهاتفي مع المحاور على الراديو بدلا
من الكتابة في الصحافة: ينتقد ويشير الى عيوب ويطلب التصحيح.
ويقول لك عمانيون ان من الصعب ان تطرح قضية على الهواء
دون ان تجد رد فعل من مسؤول عماني. فثمة حرص على الفعل والتصحيح، مثلما هناك رغبة
في التواصل في مجتمع ما زال المواطن فيه يرى ان من حقه طرق باب السلطان وباب اي
مسؤول.
يقول احمد (50 سنة – مواطن) "الوزراء يستمعون
للراديو ويعرفون انهم إنْ لم يتحركوا بسرعة لتوضيح الامر او تصحيحه، فأنهم
سيساءلون من مجلس الوزراء او من مجلس الشورى. اصواتنا تصل، والاذاعة لا تقصر ولا
تحجب."
ويضيف "نحن نسمع ونعلق، ولكننا نقول ايضا لابنائنا ان القيادة
التي اوصلتنا الى هنا من ذلك الواقع البسيط، بوسعها ان تتجاوز تداعيات الغلاء. نحن
ايضا اعلام مساند."
ويعتبر احمد ان ذاكرة العمانيين قوية، اذ يستذكر الوقت
الذي كان فيه الوصول الى دبي القريبة اكثر من 3 ايام. اليوم ويقول "نحن نعرف
ما تحقق وبأية جهود. اين
كنا واين صرنا".
اما محسن (45 سنة – مواطن) فيعتقد ان كبار المسؤولين ليس
لديهم خيار الا الانصات لما يقوله المواطنون. ويقول "اذا اثيرت قضية اعلاميا،
فأن الوزير يجد نفسه 'باستضافة' مجلس الشورى. ربما لا يستجوبوه بالمعنى الحرفي للكلمة،
لكنه يعرف انه اذا لم يقدم ردا وافيا فأن اجراءاته التنفيذية في هذا الشأن ستعلق
من قبل المجلس."
واضاف "خذ مثلا المشروعات السياحية العملاقة التي اطلقتها وزارة
السياحة. فالوزيرة راجحة
بنت عبدالامير انسانة طموحة وتسعى لتحقيق الكثير في وقت قصير. لكنها مضطرة الى
مراعاة ما يقوله الناس حول انتشار المشروعات السياحية في مناطق حياتهم التقليدية.
حتى وان دفعت الوزارة والمستثمرين تعويضات، فأن الوزيرة مساءلة امام مجلس الشورى
عن حق الناس في عدم المساس بانماطهم الحياتية المحلية التي ورثوها ابا عن جد."
ويقول "في بلد اخر ستقدم الامور على انها مصالح عليا
لا يجوز الاخذ والرد فيها. اما في عمان، فالواقع مختلف."
المسؤولون الاعلاميون العمانيون الذين تلتقي بهم في مسقط
لديهم صورة واضحة عما يجري في العالم من تغيرات اعلامية، وهم حريصون على مجارات
هذه التغيرات دون الاخلال بالاساسيات.
فثمة رضا واضح لديهم فيما تحقق اعلاميا على الصعيد
المحلي. لكنهم يدركون ان عمان، مثلها مثل جميع بلدان المنطقة، تستمع وترى وتقرأ
القادم من خارج الحدود عبر الفضائيات والانترنت. ولهذا فأن النموذج الاعلامي الذي
يعملون على اساسه هو نموذج منفتح ويسعى الى تطوير الخطاب الاعلامي بفاعلية مع وضع الخصوصية
العمانية في نظر الاعتبار.
يقول الشيخ عبدالله بن شوين الحوسني وكيل وزارة الاعلام
العمانية "اعلام الاثارة لا يوجد اسهل منه. وقد شهدنا صعوده وتراجعه خلال
السنوات القليلة الماضية. هل كان علينا مجاراته؟ لا اعتقد ان في ذلك مصلحة لاحد."
ويضيف الحوسني "خصوصيتنا ليست منغلقة. نريد ان
نتواصل ونتفاعل ونقدم الصوت الاعلامي العماني محليا وخارجيا. ولكننا نهدف الى
اعلام راكز وحقيقي يفيد المواطن العماني وينقل صورة حقيقية عن البلاد."
ويشاركه الرأي علي بن محمد زعبنوت مدير عام الاعلام في
وزارة الاعلام العمانية بالقول "الاعلام رسالة وأفق. لا نريد ان ننجر الى
المزايدات او الحديث عما هو غير صحيح او ما لا يعكس الواقع العماني."
ويضيف "الصحفي العماني يكتب وينشر ما يريد. والصحفي العربي او
الصحفي الاجنبي الزائر نترك له حرية التجول في البلاد وتقديم صورة الى قارئه دون
تزويق."
لكن الشيخ الحوسني وزعبنوت، يريان ان وزارة الاعلام
العمانية تحتاج وبسرعة الى تعزيز حضورها العربي والعالمي، خصوصا عن طريق الانترنت.
ويكشف زعبنوت عن مشروع التطوير الكبير الذي تعده وزارة
الاعلام لموقعها على الانترنت ومسعاها لأن تصبح مرجعا معلوماتيا وخبريا للبلاد.
ويقول "يشمل الموقع الجديد الذي سيطلق قريبا اندماجا بين خبر
النص والصورة والصوت والفيديو. ومن خلال الموقع سنقدم تشكيلة مهمة من مواد منتقاة
لتعكس واقع السلطنة وقضاياها."
اما عن تطوير موقع عمانت وهو موقع وزارة الاعلام
الالكتروني فيقول مدير شبكة عمان الالكترونية عبدالله النعيمي ان العمل يجري على
قدم وساق لاطلاق النسخة الجديدة.
والنعيمي رجل يقيس النجاح بالاحصاءات ويعتبرها الدليل
الذي لا يقبل النقاش على مدى الحضور الاعلامي لموقع الوزارة كمصدر موثوق للخبر
والمعلومة وكبوابة مفيدة لكل الانشطة الحكومية والخاصة في البلاد.
يقول "عندما بدأنا قبل كم سنة، كان الموقع بسيطا ولكننا طورناه
بالامكانيات الذاتية. وكنا نستقطب مئات الالاف من الزائرين سنويا. لكن الطفرات
الحقيقة حدثت عامي 2006 و2007. فعدد الزوار اليوم هو 7 ملايين زائر سنويا، وهو رقم
كبير بكل المعايير."
ويرى النعيمي ان استخدام التقنيات المتاحة هو جزء من
القصة وان الاهم هو تدريب الطاقم التحريري الذي يشرف على الموقع.
ويقول "لدينا شباب فاعل ويريد ان يتعلم ويقدم الافضل، ومشاريعنا
هو ان نمنحهم الفرصة من خلال التدريب على تحقيق ذاتهم وان يفيدوا الوزارة في تعزيز
حضورها على الشبكة المعلوماتية العالمية."
ومثل الصحافة المطبوعة والمواقع الاعلامية على الانترنت
التابعة للوزارة، فأن التلفزيون العماني يسعى الى اطلاق مشروع تطوير كبير ولكن مع
الابقاء على الخصوصية.
ويقول مسؤول في التلفزيون العماني لم يشأ ذكر اسمه
"اخر ما نريده ان ندخل سباق شراء المسلسلات الرمضانية التي تستقطب الناس ولا
تحقق نتيجة ثقافية او معرفية تذكر. ثم ما معنى ان نغرق المشاهد ببرامج معدة في
بلدان عربية اخرى وينفق عليها الملايين ولا تمت بصلة لواقع البلد المعني؟ اين
الرسالة الاعلامية في هذا؟"
ويضيف "نحن نعيش في عالم الخصوصية المحلية التي تستخدم معايير
عالمية في التنفيذ وليس في الافكار. يجب ان يكون الشكل البصري والاعداد في
التلفزيون على ارقى المواصفات، ولكن يجب ان يكون المحتوى محليا بالدرجة الاولى."
لكن الحضور الاعلامي العماني اقليميا ودوليا لا يزال في
حاجة الى اعادة نظر جدية. واذ سخّرت الدول العمانية مواردها في العقود السابقة في
التنمية، فأن الكثير من قصة الانجاز تحتاج ان تصل للمتلقي العربي ومثله المتلقي الغربي.
العمانيون يضعون هذا نصب اعينهم. وبالحكم على تجربتهم في
تحقيق ما يخططون له، لا يمكن الشك بأنهم قادرون على التنفيذ.(MEO)