بهذه العبارات
التهكمية حاول السيد محمد المصمودي " عامل ببنك " التعبير لـ" إيلاف " عن استيائه من الإعلام التونسي
الذي يقول أنه لم يهتم بالأوضاع في غزة بالشكل الكافي الذي يستحقه الحدث الدامي،
ويضيف : " الفرق واضح للغاية بين تغطية فضائيتنا الرسمية وصحفنا الوطنية خلال
انتفاضة الأقصى في 2001 و تغطيته لما جرى في غزة خلال الأحداث الأخيرة. لقد فتر
عزم الإعلام ومثابرته في تغطية الشأن الفلسطيني مقابل الحماس الذي كان عليه في
السابق ".
والسيد" المصمودي" ليس المواطن الوحيد في تونس الذي
لم يخف تحامله على الإعلام التونسي خلال الأحداث الأخيرة التي جرت في غزة . فلقد
تواترت الانتقادات الموجهة إلى تغطية الإعلام التونسي للأحداث في فلسطين والتي
وصفت في معظمها بـ"المتواضعة" و"الخجولة". ولم تركّز هذه
الانتقادات على الإعلام الرسمي فحسب بل شملت أيضا الإعلام المستقل والإعلام الحزبي
المعارض الذي لطالما ادّعى أن القضايا العربية والقومية في صدارة اهتماماته. إيلاف
التقت عدد من المواطنين والإعلاميين التونسيين للكشف عن حجم هذه الانتقادات
ومبرراتها.
تحامل
ونقد
سهام النقد الموجّهة
للإعلام التونسي تنطلق عادة من جلسات المقاهي كثيرة العدد في العاصمة تونس. السيد
رضا بن عبد الله يقول إن الموضوع طرق من عدة جوانب مع زملائه ورفاقه في جلساتهم
اليومية في المقاهي ويقول لـ"إيلاف": الإعلام التونسي لم يقم بدوره في
تغطية المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد شعب غزّة الصامد . فقط إشارات
عابرة في شريط الأخبار .بل وفي أحيان كثيرة على نحو خجول ومحتشم للغاية .
أما رضوان
33 سنة فيقول : يتساءلون لم يرنو المواطن التونسي إلى البحث عن المعلومة في وسائل
الإعلام الأجنبية ومواقع الانترنت الإخبارية ،والمشرفون على الإعلام في تونس لا
يقومون ببذل أي جهد في ساعات الذروة والاحتقان والأحداث الكبرى والتي حسب رأيي
تتطلب قدرا أكبر من الجدية وبرمجة استثنائية تقوم على تقديم الأخبار أولا فأولا
.وإلا كيف سنتابع إعلاما يسير عكس التيار وعكس الوقائع ."
ويدافع سمير
ساسي سكرتير تحرير صحيفة الموقف (معارضة ) عن الظروف التي يشتغل فيها الصحفيون
التونسيون وعدم تجاوب الجمهور مع معهم ويقول لإيلاف:على الرغم من أننا نخصص حيّزا
هاما للقراء والمتابعين ليدلوا بآرائهم تجاه ما يحدث في غزة أو غيرها إلا أن نقدهم
هذا لا يصل إلى المنابر التي نشرف عليها و أعددناها خصيصا لهم .أعتقد أنه على
الصحفي تحمّل مسؤولياته والقارئ أو المشاهد أيضا له مسؤولياته في هذا الشأن . إلاّ
انّ هذا لا ينفي عدم وجود تقصير هائل من قبل وسائل الإعلام التونسية في تغطية ما
يجري في فلسطين المحتلة بالشكل الكافي.
الفنّ ولا شيء
غير الفنّ
"و
كأن الأمر مقصود ومتعمد، لقد لاحظت في فترة القصف والحصار أن المزود (الفن الشعبي)
والرقص واستقبال الفنانين الشعبيين قد ازداد على الفضائية التونسية بشكل مبالغ
فيه".يقول سفيان طالب الانجليزية بغضب ، ويضيف : "الفن ولاشيء غير الفن على فضائياتنا و أخبار
الفنانين والفنانات على أعمدة الصحف كل يوم .أمّا فلسطين فالحيّز المخصص لها وقتا
و صفحات فهو مثير للسخرية."
و في نفس السياق
يقول لطفي حجي نقيب الصحافيين التونسيين ومراسل قناة الجزيرة القطرية (الممنوعة في
تونس) لـ"إيلاف": اغلب وسائل الإعلام التونسية أبرزت أن لها أجندة لا
تشذ عنها حتى و إن انقلب العالم.! ناهيك انه يوم السبت 1 مارس تاريخ المجزرة
الإسرائيلية البشعة ضد الفلسطينيين بمن فيهم الرضع كانت قناة تونس سبعة الرسمية
تبث منوعة "موزيكا و فرجة" للاغاني و الرقص و لم تقطع برامجها للإشارة
إلى الحدث و للتعبير عن شكل من أشكال التضامن."
طلبة
الصحافة مستاءون أيضا
معهد
الصحافة وعلوم الإخبار هو المعهد الوحيد في تونس الذي له الحق في تكوين صحافيين مهنيين،
طلبته واكبوا بحكم الاختصاص كل شاردة و واردة في ما بات يعرف بـ"محرقة
غزة". و تقول أميرة طالبة المرحلة الأولى أن التفاصيل التي كانت تبحث عنها
بخصوص أحداث غزة "لم تكن متوفرة عبر وسائل الإعلام التونسية بالشكل الكافي
سواء كانت مقروءة أم مسموعة، مرئية أو الكترونية...فجميعها اعتمدت على برقيات
وكالات الإنباء العالمية فقط ولم تعتمد مطلقا على مراسليها "الأكفاء
"المنتشرين في غزة والضفة".
أما وليد طالب
الاتصال فيقول "هذه ليست المرة الأولى التي يخيّب فيها الإعلام التونسي
رجاءنا في التعاطف مع أهلنا في غزة ، من المفروض أن يتجاوز التعاطف مع فلسطين
المحتلة الإعلام إلى ما هو سياسي و دبلوماسي لكننا في تونس محرومون حتى من التضامن
الإعلامي."
خوفا
من ردود الفعل الشعبية
الواضح لمن يتابع
الإعلام التونسي انه يقوم على استراتيجيا لا تقوم على التحريض بتاتا و تتجنب كل ما
من شأنه أن يثير المشاعر الشعبية خصوصا في كل من قضيتي العراق وفلسطين وأزمة
الرسوم المسيئة مؤخرا .
ويقول سمير ساسي
سكرتير تحرير صحيفة الموقف :هناك توجه رسمي من قبل الإعلام في تونس لتحييد المتلقي
بشكل كامل عن القضايا السياسية والقومية التي تهمه كجزء من الجمهور عربي .وهذا
التوجه يأتي خوفا من إثارة الرأي العام الشعبي بما يدفعه إلى رد الفعل وربما
الخروج في مسيرات غاضبة ليبدي تضامنه مع أهل القطاع وهو الأمر الذي لم يحدث مطلقا
في تونس عكس الدول المجاورة لنا .
اما نقيب الصحفيين
التونسيين لطفي حجي فيرى أن "الإعلام التونسي لم يرتق إلى مستوى المشاعر
الشعبية في تغطيته لما اصطلح بتسميته محرقة غزة الأخيرة التي جعلت أوضاع
الفلسطينيين في قطاع غزة هي الأسوأ منذ أربعين سنة حسبت تقارير حقوقية موثوق
بصحتها."
مصدر بمؤسسة
الإذاعة والتلفزة التونسية ( حكومية ) رفض الكشف عن اسمه أكد لإيلاف أن برمجة من
قبيل تسليط الضوء على أحداث غزة تخضع إلى أعلى سلطة قرار إدارية في المؤسسة ، وأن
عددا من العاملين بالمؤسسة قدموا اقتراحات بضرورة تطوير أداء الإعلام الرسمي في
تونس .ومن هذه المقترحات تقديم نشرات أخبار استثنائية والاتصال بالمراسلين من على
عين المكان بصورة مباشرة كلما اقتضت الأحداث ذلك. ولم ينف المصدر أن عوائق مالية
تقف بالأساس وراء التأخر في تلبية هذه المطالب ولا دخل للأمور السياسية من قبيل
التخوف من ردة الفعل الشعبي المحتقن في هذا التأخير.
الحل
في إستراتيجية أزمة
وبخصوص المأمول
من الإعلام التونسي في خضم عولمة وسائل الإعلام وغياب الحدود والحواجز أمام
المعلومة يضيف حجي :" يحتاج الإعلام التونسي إلى إستراتيجية أزمة تجعله يغير
أركانه العادية كلما كانت هناك أحداث خطيرة، و يرتقي بذلك إلى مشاعر التونسيين
الذين يحرصون على التضامن مع الفلسطينيين كلما توفرت لهم الفرصة."
أما
الإعلامي محمد الحمروني مراسل صحيفة" العرب" القطرية فيرى أنه من
الضروري أن يكون الإعلام التونسي بمختلف أصنافه مواكبا لمتطلبات جمهوره أولا
ومواكبا للتقدم الحاصل في مجال الإعلام والاتصال في العالم ، ويقول : على الإعلام التونسي
أن يعتبر من عدة تجارب عربية و أجنبية أضحت نماذج يحتذى بها الآن ، ولا ننسى أن
الكفاءات الإعلامية التونسية مشهود لها بالخبرة والمهنية ولا تعوزنا الإمكانات
المادية فلم التلكؤ في بناء إعلام وطني يرضي طلبات المواطن التونسي العادي في
المعلومة والخبر القائمين على الدقة و الآنية .
من جهتها تقول
منية طالبة الصحافة (23سنة) :لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تبقى برمجة تلفزتنا
الوطنية وصحفنا الرسمية والمعارضة على نفس البرمجة التي حدّدت لها قبل انطلاق أي
حدث جلل يتطلب تغطية سريعة وانية كما حدث في غزة . أدعو المشرفين على الإعلام التونسي للاستعداد لتغيير النمط
الحالي المعمول به وإلا فسيجدون أنفسهم خارج مجال الخبر و الأحداث قريبا. (إيلاف)