وأشارت في
كتاب عن المرأة الليبية والمشاركة السياسية(1977-2005) صدر في العاصمة المصرية القاهرة
قبل أيام عن مركز الحضارة العربية إن النظام السياسي في ليبيا ،يهيمن على منظمات
المجتمع المدني ويلزم الجميع بتأطير المشاركة السياسية عبر المؤتمرات الشعبية
واللجان دون السماح بأي هامش للاختلاف مع أطروحات النظام السياسي ،ويجرُم المخالف
والخارج أو المعترض على هذا النظام الأحادي ،بحكم القانون.
من جهته وصف الدكتور علي عبداللطيف حميدة رئيس قسم العلوم السياسية
بجامعة بنيو انجلند ،بيدفورد،ولاية ماين بالولايات المتحدة الأمريكية الكتاب بالرائد.
وأوضح في تقديمه للكتاب إلى عدة أسباب لتكوينه هذا الرأي أبرزها
قلة الدراسات الكمية والنوعية عن موضوع المشاركة السياسية وتقييم تأثير التحولات
السياسية على المرأة الليبية خاصة وأن الباحثة ركزت بشكل مقنع على دور وعي المرأة الليبية
في مواجهة مجتمع ذكوري أبوي من ناحية،إضافة إلى الوضوح المركب لرؤيتها المنهجية
التي شملت التحليل القانوني والسياسي،تحليل مضمون الخطاب الرسمي والأهم ترجيح رؤية
المرأة من ناحية التمكين والتفصيل في مواجهة العوائق الواقعية في المجتمع الليبي
والتركيبة السياسية التي تقول وتشجع دورا فعالا للمرأة ولكن الحصاد الواقعي
من وجهة نظر الكاتبة كان متناقضاً ومخالفاً للطموحات والتشريعات والشعارات
الجماهيرية.
وشدد عبداللطيف على إن الباحثة لم تبدأ من فراغ فهناك بعض الدراسات
الرائدة في هذا الموضوع بدأ بدراسات د.زاهي المغيربي عن التنشئة السياسية في الخمسينيات
والستينيات من القرن العشرين وتأصيل دور المجتمع المدني،إلى كتاب الدكتورة آمال
سليمان العبيدي عن الثقافة السياسية في ليبيا،وكتاب الأستاذة شريفة القيادي عن
واقع الصحافة النسائية في ليبيا،والكاتبة أسماء الطرابلسي عن الأسماء المجهولة
النسائية في ليبيا والرائدات خديجة الجهمي والدكتورة زينب زهري عن المرأة العاملة
في ليبيا بالإضافة إلى دراسات د.مصطفى التير عن التحليل الكمي والامبريقي عن
التحديث في المجتمع الليبي المعاصر.
وتابع" كتاب الدكتورة أم العز يضيف دراسة معمقة عن الواقع السياسي
والتشريعي خلال مرحلة التحولات بعد ثورة الفاتح وبالذات بعد قيام النظام الجماهيري
الليبي في 1977 وتأثير هذه التحولات السياسية على دور المرأة في المشاركة السياسية،تقدم
الكاتبة تحليلاً وافيا ومعمقا عن طبيعة النظام السياسي الليبي غير موجود في العديد
من الكتابات العديدة عن ليبيا الجماهيرية ولكنها برغم اعترافها بإيجابية القوانين
والتشريعات الليبية والخطاب السياسي في تفعيل دور المرأة ومشاركتها السياسية تقدم
نقداً مبينا وواضحا من وجهة نظر المرأة الليبية للعراقيل الأبوية والسلطوية
والذكورية لتهميش وتجميد دور المرأة الليبية من خلال الواقع والتطبيق رغم أن
المقابلات مع بعض القيادات النسائية هي من أهم إضافات هذا الكتاب وخاصة مع د.آمال سليمان
العبيدي،م.آمال صافار،ومجموعة من القاضيات وسيدات الأعمال.
ويتعرض الكتاب إلى وضع المرأة في الدستور الملكي
الذي ساوى بين الرجل والمرأة بصريح العبارة فالمادة (11) من الدستور الذي أقرته
الجمعية الوطنية في أكتوبر 1951 نص على أن" الليبيون لدى القانون سواء وهم
متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي تكافؤ الفرص وفيما عليهم من
الواجبات والتكاليف العامة لاتمييز بسبب الدين أو المذاهب أو العنصر أو اللغة أو الثروة
أو النسب أو الآراء السياسية والاجتماعية".
كما نصت المادة(12) من الدستور الليبي المشار إليه على أن
"الحريةالشخصية مكفولة وجميع الأشخاص متساوون في الحماية أمام القانون".
كما أن المادة(28) من الدستور نصت على أن التعليم"حق لكل ليبي
وتعمل الدولة على نشره بما تنشئه من المدارس الرسمية وبما تسمح بإنشائه تحت
رقابتها من المدارس الخاصة لليبيين والأجانب".
وعاد المشرع في المادة (30) للتأكيد على" أن التعليم الأولي
إلزامي لكل الليبييين من بنين وبنات ،والتعليم الأولي والابتدائي مجاني في المدارس
الرسمية".
وفي الإشارة إلى التخصيص (من بنين وبنات) في المادة (30) يبرز خوف
المشرع من إمكانية فهم أن المقصود بالليبيين الرجال فقط أو هضم حق الإناث في
التعليم الإلزامي،وهكذا حدث تطور سريع،في التعليم للمرأة فدخلت الجامعة وتمتعت بفرص
التعليم في الخارج ووفقاً لنص المادة (11) نرى تأكيداً على حق تكافؤ الفرص أمام
جميع الليبيين.
كما تنص المادة(14) على" حق العمل لكل ليبي وليبية،ولهما الحق
في الأجر العادل دون فرق".الدستور يقدس الأسرة بشطريها الرجل والمرأة ويساوي
بينهما في الحقوق.
وحسب ماجاء في الكتاب يعرف دستور المملكة الليبية الحقوق السياسية
بأنها الحق في دخول مجلس الأمة المكون من مجلسي الشيوخ والنواب،وتولى الوزارات والوظائف
الدبلوماسية،كما أن المادة(2) من قانون الانتخاب رقم(6) لعام 1964 تؤكد على أنه:"يجوز لليبية ممارسة حق
الانتخاب ...وبشرط أن تقدم بنفسها طلباً كتابياً بقيد اسمها في سجلات الانتخاب".
ولاحظت الباحثة بإعلان قيام الثورة في 1969،أوقف العمل بالقوانين
السابقة ودخلت ليبيا مرحلة تحولات ثورية شاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية
،ومن هذا الإطار أدخلت المرأة الليبية في غمار التغيرات وعقد مؤتمر المرأة الليبية
الأول في 1970 وفيه تم الإعلان عن نقلة نوعية في مجالات المشاركة السياسية
والمجتمعية للمرأة،وبموجب التغيرات حل الاتحاد النسائي وتولت الدولة تمويله ودعمه
ليتحول إلى منبر للتعبير عن توجهات النظام الليبي وقيادته،وانزوت بعض القيادات
النسائية التي لم تواكب عملية التحول الثوري،وتم إقصاؤها مثلما حدث مع النخب
السياسية التقليدية في النظام الملكي السابق،والبعض الآخر فضل إتاحة الفرصة لجيل
جديد من التشكيلات الثورية النسائية والراهبات الثوريات والمجندات واللجان الثورية.
وهذه التنظيمات تحولت إلى
منابر ثورية تضطلع بمهام عامة ومهام ذات خصوصية نسائية تتعلق بحقوق المرأة
ومطالبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
والحديث للباحثة أم العز الفارسي- الباحث في هذا المجال سيجد نفسه
أمام كم من الخطابات الثورية الداعمة لحقوق المرأة،كما يجد القوانين واللوائح إلى جانب
المواثيق الليبية المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق المرأة على وجه الخصوص.
وشكلت التحولات السياسية التي مرت بها ليبيا عاملاً مؤثراً في تطور
مشاركة المرأة،وعبر التحولات التاريخية رصدت الدراسة تأثيرات مختلفة على السياق المجتمعي
والاقتصادي والسياسي ساهم في مجمله على مشاركة المرأة في مختلف المجالات.
وسجلت الدراسة مفارقة مهمة ،تعلقت بارتباط مشاركة المرأة الليبية
في الحياة العامة في بداياتها- إثر الاستقلال- بمجموعة من الرائدات اللاتي تنادين لخدمة
أدوار إلا أن عملهن لم يؤسس لحركة نسائية منظمة،ولم يضع أية قواعد لاستدامة وتفعيل
هذا الموقف النضالي السياسي والمجتمعي.
كما أن اكتشاف النفط وتطور الحياة السياسية والاقتصادية،ومانتج عنها
من زيادة في تحسن الأوضاع الحياتية ،والخدمات التي تقدم للمجتمع وخاصة إلزامية التعليم
للذكور والإناث،أدى إلى نتائج مهمة ساهمت في تطوير أوضاع المرأة،ودعم مشاركتها
التي ظلت في حدود ضيقة،وبحيث شكلت زيادة دخل الأسرة الهدف الأساسي لخروج المرأة
للعمل.
ولكن ظل المجال السياسي- عبر مايسن من قوانين تمنع إنشاء التنظيمات
السياسية أو الانخراط فيها- مجالاً غير آمن ومحفوفاً بالمخاطر،وشكلت المحاكمات السياسية
أحد سمات النظام السياسي عبر مختلف تحولاته،كما أن تجربة ممارسة السلطة الشعبية
المباشرة وحداثة عهدها،وعدم وضوح آليات المشاركة فيها،حال دون انخراط الكثير من
الرجال والنساء فيها،وشكل ذلك عائقاً أمام تجربة المشاركة السياسية للمرأة الليبية.
ويحتوي الكتاب الذي جاء في 287 صفحة من القطع الكبير على خمسة فصول
السياق المجتمعي وأثره على المشاركة السياسية للمرأة في ليبيا،والأطر الفكرية والقانونية
والمؤسسية،ومشاركة المرأة في المؤسستين التشريعية والتنفيذية،ومشاركة المرأة في
الأجهزة الإدارية والمهنية،وأخيراً أثر الجهود الدولية على المشاركة السياسية
للمرأة الليبية.(خاص ليبيا
اليوم)