وطرح المشاركون في هذه
الندوة سؤالا إشكاليا عن الأسباب الحقيقية التي جعلت من قضية الحوار موضوعة تنشغل
بها المنتديات والمنظمات دون الوصول إلى أرضية متفق بشأنها يكون بوسعها أن تشكل
أرضية لانطلاق حوار حقيقي بين كافة القوى الثقافية والحضارية في العالم.
وفي هذا الإطار، عزا الكاتب والأديب بن سالم حميش انسداد أفق الحوار إلى
كون المقاربة التي ينظر من خلالها إلى الأطراف المتحاورة تجعل منها "كتلا ومعسكرات
مدعوة إما إلى الحرب أو إلى السلم وأن كل كتلة متراصة والحال ليس كذلك".
وأكد أنه "لا يمكن لأي حوار أن يجري ما لم يزل منطق القوة وتجري تصفية
بؤر الصراع والنزاع والتهوين من القطبية والفكر الواحيدي المهيمن الذي يفرض نفسه,
والاعتراف للشعوب بحقوقها ", وفي هذه الحالة فقط, يقول حميش, "نكون
قد دخلنا مرحلة أخرى يمكن فيها البناء لحوار منتج وفعال" .
وفي انتظار الوصول إلى هذه المرحلة من الحوار المنتج والفعال, يرى الكاتب أنه"
علينا ألا نتحول إلى دعاة, بل علينا أن نرصد الصعوبات التي تحول دون حوار حقيقي
بين الأنداد, وليس حوارا مصطنعا للواجهات والاستهلاك".
واعتبر أن من بين أهم المعيقات التي تجعل من العسير الحديث عن تقدم في مسار
الحوار, وجود خلط في المفاهيم وتعويمها مما يتطلب تحديد الترسانة المفاهيمية وضبط
القاموس السائد الذي يصنع في بعض الأوساط الأوروبية الوزانة والقوية.
وحذر هنا من "الاستعمال السائد اللامراقب معرفيا" لعدد من
المفاهيم المتداولة على الصعيد العالمي ك"الدول المارقة, والإرهاب,
وامبراطورية الشر ومحور الشر والاحتواء".
وفي مقاربة سوسيولوجية للحوار الثقافي, أكد الباحث عبد الحي المودن أن
الحديث عن هذا النوع من الحوار غالبا ما يجري انطلاقا من زاوية إيديولوجية تركز على
الصراع أو المواجهة و تاريخ من التعايش السلمي, وهي مفاهيم إيديلوجية دون سياق
تاريخي أو معرفي زمني, في تغييب كامل للبعد السيوسيولوجي والسوسيو اقتصادي.
فحوار الثقافات, يضيف الباحث, هو شكل من أشكال التعامل بين أفراد من ذوي
انتماءات إقليمية وجغرافية متعددة مشددا في الوقت نفسه على أن المبادلات
الاقتصادية وباعتبارها تتم بين شعوب لها انتماءات دينية ولغوية مختلفة , هي تواصل
يومي, مع الآخر وهي صورة من صور التواصل الثقافي الذي لم يخضع بعد للدراسة
الأكاديمية .
وأبرز أن الحوار في شقه السوسيولوجي له أهمية قصوى في الدفع بحوار من نوع
آخر تعطى فيه الأولية للتعددية الثقافية الداخلية كوحدة متجانسة في مقابل الآخر. ولاحظ بهذا الصدد أنه
من "الضروري التفكير في خلق حوار ثقافي داخلي يجري فيه الاعتراف بالتعددية
الثقافية والانتقال من التوجس إلى التفاعل, والبحث عن وسائل لحوارات متعددة,
والتعرف على بعضنا البعض مما سيؤهلنا إلى الحديث عن حوار على مستوى ثقافي عالمي".
ومن موقعه كأكاديمي, قدم الباحث عبد الله ساعف مجموعة من المحددات المنهجية
التي اعتبر أنها ضرورية لتصويب الهدف من الحوار والابتعاد عن التعميمات في
المفاهيم والأحكام واعتماد مقاربة تتجاوز المعيقات الثقافية الذاتية.
وقال إن التمييز بين الكتل سياسيا واقتصاديا وثقافيا يتطلب "تغليب
وتفعيل الإطار المؤسساتي" مشيرا إلى أن هذه الخطوة مرتبطة بتحديد الاتجاهات
والأهداف الأساسية في كل شكل من أشكال الحوار.
وفي سياق حديثه عن الغايات المرجوة من وراء أي فعل حواري مع الآخر, أشار
ساعف إلى أن الهدف الأساسي من وراء أي مبادرة حوارية يتمثل في الوصول إلى
"الحرية" وهي قيمة أساسية "لا تنتج بالضرورة عن الحوار الثقافي أو
الحضاري بل هي منتوج سياسات إصلاحية تنزع إلى الدمقرطة ولا يتنافى مع الخصوصيات".
وأضاف في معرض معالجته للمقاربات المختلفة لفعل الحوار, أنه صار من الواجب
"تدقيق المفاهيم وضبطها والتمييز بين الكتل الفكرية بعيدا عن التعميمات التي
تسحب مفهوما واحدا على كتل متعددة ومتبانية". ورفض الأفكار المسبقة لدى أطراف الحوار, والبناءات
المفاهيمية المنمقة, وتشويه الواقع وتجريم الآخر, يضيف عبد الله ساعف, تعد من
المعيقات الرئيسية لأي حوار مطالبا في الوقت نفسه بالقيام بمساءلة الذات والعمل
على تأهيلها من أجل تحقيق الاندماج في إطار تحالف حضاري.
ويرى أنه بات من اللازم عند هذا المستوى من الحديث عن "مبادرة لها أهميتها
مثل تحالف الحضارات, تغليب أفق الاندماج في التنوع وإعادة النظر في مفهوم الحضارات
كفاعل دبلوماسي حضاري وإعطاء الأولوية لقيم التفاعل التداخلي والإدماجي".
ومحاولة منه للإجابة عن السؤال المركزي لهذه الندوة , شدد الكاتب كمال عبد
اللطيف , على ضرورة التخلص من ثقل المرجعية السياسية من خلال الابتعاد عن الحوار
في لحظات حرب قائمة ضاغطة على الجميع وفي ظل الصراعات الداخلية والخارجية.
ففي ظل غياب التكافؤ, الذي يعتبر مسألة تاريخية بين الثقافات الفرعية
والثقافة المهيمنة, وتعثر إصلاح الداخل وتدخلات الأجندات الخارجية, يبقى من المتعذر
الحديث عن حوار ناجح خاصة وأن الثقافة المهينة تعمل بآليات متعددة من أجل فرض
منظومة من القيم لها تأثيرها في تشكيل الأمزجة والوجدان بغض النظر عما إذا كان
الطرف الآخر يقبلها أو يرفضها.
وذهب كمال عبد اللطيف, الباحث في مجال الفكر العربي, إلى أن منطق القوة في
الحوار, يفرض "علينا أن نضع الخطط والبرامج التي تمكننا من تدارك بعض المراحل
التي تفصلنا عن الآخر" معتبرا أن " العيب فينا, لأننا لم نسو أيا من
المعارك التي بدأناها سواء تعلق الأمر بالاجتهاد أو بالإصلاح السياسي والإقلاع
الاقتصادي والاجتماعي, وكلها مشاريع باتت مؤجلة".
وخلص إلى أن "ما يفسد الحوار هو التموقع السياسي السهل, يجب أن ينتعش
الحوار بين مختلف التيارات السياسية والفكرية والثقافية داخل المجتمع الواحد, فنحن
في أمس الحاجة إلى ثقافة التسامح والتواصل وهي أقرب السبل لبناء الحوار وما يسهم
في تقدم الحوار".