ففي لبنان كما في بلدان أخرى،
تُقتَل نساءٌ، أحياناً، لأنهنّ (فقط) نساء، ولو كان هؤلاء النساء رجالاً لما
قُتلْن، والذين يرتكبون جرائم القتل هذه هم، غالباً، من الرجال". على هذا
النحو تستهلّ الباحثة دراستها هذه التي تنتصر فيها للنساء مع استغرابها، كيف أن القانون
اللبناني، يقف ـ دائماً ـ الى صفّ "قتلة النساء، المعنيّات هنا، في مجاله
القانوني التشريعي والتنفيذي معاً، بذريعة دعاوى ما يُعرف ـ حقاً أو زوراً (عدلاً
أو اعتباطاً) بـ"جرائم الشرف" أو "غسل العار".
إذ
تُقارب الباحثة موضوعها هذا استناداً الى "المنظور الجندري" (أي النوع
الجنسي للكائن البشري، ذكراً كان أم أُنثى) في دراسة مركّبات الثقافة الاجتماعية
القائمة على "الجنسانيّة" التمييزية المتمثلة "بالمنمّطات
الجندرية" لكل فرد في تكوينه الجنسي في الثقافة الاجتماعية التي ينتمي إليها،
وذلك كنماذج ومعايير وتوقّعات، تُقاس بإزائها دوافع النساء والرجال وسلوكاتهم
واتجاهاتهم، ما يسمح باستيعاب "ما يجري"، وإطلاق الأحكام عليها.
من هنا
نرى الى هذه الدراسة، كيف أنها تحاول رصد تجليّات "الجندر" وتقلباته على
أرضية المحاكم اللبنانية "لقتلة نساء"، بتفاعله مع بعض وجوه القضاء وممثلّيه،
وذلك بقراءة الوثائق التي تروي وقائع محاكمات أولئك القتلة.
فهذه
الدراسة تسعى في هذا المجال الى إرساء أرضية صلبة لمهمّتها المتمثلة بجعل الحياة
الأُسرية مسؤولية مجتمعية قانونياً، عِبر رسم صورة محلية مفصّلة لطبيعة ظاهرة
العنف الأسري ضد النساء، ومدى انتشارها في بلادنا (مجتمعنا الذكوري بالكامل)، بفضل
تبيان أسباب تحكّمها بمجرى حياتنا، مع وضع اقتراحات وتمنيّات واضحة، وجديرة
بالتأمل، للعمل على التصدّي لها ومنعها، بانتهاج أساليب عملانية واقعية مثمرة
وبنّاءة، وذلك بإحداث نقطة تحوّل حاسمة في شأنها.
وترى الباحثة
أن مقاربة "العنف الأُسري" (الكلامية) ما عادت تكفي في معالجة مترتّباته
القاتلة، بل تؤكد على أنه ينبغي الشروع في العمل على استباق وقوعه "لمنع
القتلة المستقبليّين من استسهال قتل ضحايا محتملين (من النساء)"، لذا فإن هذه
الدراسة تتناول قتل النساء في مجتمعنا اللبناني، في دائرة القرابة (العائلة
النُواتيّة/ الأُسرة، العائلة الممتدة)، وفي دائرة الشراكة (العاطفية)، وذلك من
خلال القراءة التحليلية ـ النقدية، لوثائق المحاكمات لقتلة نساء، في المحاكم
التمييزية، استنابةً عن المحاكمات الجنائية في المحافظات اللبنانية الستّ: (بيروت
ـ جبل لبنان ـ الشمال ـ البقاع ـ الجنوب ـ النبطية). تلك المحاكمات التي أُجريت في
الفترة الزمنية الواقعة بين العامين 1999 ـ 2007، هذا إضافة الى قراءة ملفات كاملة
لتسع حالات اتّصفت بتداول مفهوم "الشرف" في الكلام المدوّن فيها.
وتؤكد
الدراسة أن ما يُظهره الكلام المتداول في وثائق المحاكمات والملفات المذكورة ينضح
بالدلالات الواضحة لتكوين السيرورة المجتمعية المولّدة للمفاهيم الناجمة عن خطابها
العام الذي من بعض مفاعيله، إرساء المعايير الناظمة لجنسانيّة النساء عندنا في
صياغة معايير سلوكهنّ في تلك السيرورة ونتائجها الناجمة عنها.
ذلك
لأن هذا الكلام الذي يشمل كل ما هو مدوّن ـ تقريباً ـ في الوثائق، قد جاء على
ألسِنة كل المعنيين: المتهمين والشهود والإدعاء والدفاع وهيئة
المحكمة مضافاً إليهم، الخبراء من أطباء شرعيين أو نفسيّين؛ أو خبراء جنائيين أو
محقّقين... إضافة الى ما قالته الضحية في روايات من عَرَفوها.
وتقول
الباحثة إن أهمية الكلام المرسل في هذه الوثائق والملفات، تكمن في كونه كشّافاً في
كثافة فريدة لتجليّات "الجندر الأبوي" (البطريركي)، وترتيباته في أكثر
أشكالها بدائية و"صفاء".
الأمر
الذي يُظهر حقيقة التفاعل بين تعبيرات الجندر، مع القضاء كبيّنة واضحة على هيمنة
الجنسانية الذكورية على القضاء كمؤسسة قانونية عليها أن تكون في المستوى الأعلى
"الأكثر تجريداً والأصفى عقلانية والأوفر أخلاقية، لتكون مؤتمنة بالرّدع
والعقاب، على إحقاق العدالة بوضع أحكامها على سوية واحدة".
وانطلاقاً
من ذلك، فإن قانون العقوبات اللبناني الحالي، في محاكمات قتلة النساء هو بحاجة
ماسّة الى تغيير جذري في مضمونه، يؤدي الى بلوغ العدالة الحقّة والمطلوبة، لذا فإن
الباحثة تنتقد بشدّة المادة 562 عقوبات، تلك المتغلغلة أطيافها بعمق في كل جرائم
قتل النساء عندنا، بمضمونها المسوّغ لدوافع القتلة وقناعاتهم بشرعية أعمالهم، وفي
توقعاتهم لتعامل القضاء معهم. الأمر الذي جعل هذه المادة "قاتلة بامتياز"، إذ لم
يقتصر ضحاياها على النساء المعنيّات هنا، بل يُقتل معهن رجال وأطفال ونساء ـ أحياناً
ـ كمحصلة جانبية للجريمة. ففي المحاكمات الستّ والستين كان هناك 82 ضحية أي 20% من
المحاكمات كانت لمتهمين بقتل ضحايا آخرين غير الضحية المقصودة بالقتل. فالمادة 562
تنصّ على أنه "يستفيد من العذر المخفّف من فاجأ زوجه أو
أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جُرم الزنى، أو في حالة الجُماع غير المشروع، فأقدم
على قتل أحدهما أو إيذائه بغير عمد".
وتقول الدراسة: إن
"بيان" هذه المادة هو الذي دفع بالحركات النسوية وقياداتها والمنظمات
العاملة عندنا تحت مظلة الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بوصفها بـ"المادة
المُشينة" أو "المشرّعة للقتل"، ومن هنا نفهم لماذا تدعو هذه الدراسة الى إزالة هذه
"المادة" من قانون العقوبات اللبناني "لأن ذلك تفرضه ضرورة محاصرة
قتلة النساء، لكي لا يجدوا ثغرة محتملة يسعُهُم من خلالها أن يفتحوا ثغرة في جدار
عقوبتهم المستحقة".
وعلى
خلفية ما سبق ذكره، نتمنى بدورنا أن تجد هذه الدراسة تنفيذاً مضموناً لمقترحاتها
العملانية على أرض الواقع، إذ هي قد نهضت بكل مقوّماتها التفصيلية أساساً، بتوزع
مادتها على ثلاثة فصول: يتناول الفصل الأول الجريمة وعناصرها: بإحداثيات وقوعها
ووسيلة تنفيذها، وناسها من المتهمين والضحايا والعلاقات التي تربط هذه العناصر
بعضها ببعض.
ويتناول
الفصل الثاني: المحكمة والخريطة العامة لمكوّناتها، متوقفاً عند موقع الضحية فيها،
راصداً مظاهر التخلّى عنها، ومظاهر الانتصار لها، إضافة الى إبراز فاعلين
"مُغيّبين"، مع استعراض تفصيلي لما نَضَح في هذه المحاكمات بشأن المادة
562 أو ما يُنفّذ بوحيها.
ويحتوي
الفصل الثالث استعراضاً تحليلياً للخروج التدميري على الترتيبات الجندرية لدى
المتهمين/ القتلة، ولدى الضحايا من النساء سواء بسواء. هذا مع إثبات
"ومضات" قليلة متفرقة تُشير الى تعديل خجول في المعتقدات المعقودة حول أدوار
النساء والرجال والقِيَم الملحقة بهوياتهم (الجندرية).
وخاتمة
الكتاب (التي جاءت مكتملة للمقدمة)، تستعرض المسوّغات الملحّة للعمل على تشريع
قانون لمناهضة العنف ضد المرأة في إطار العائلة/ الأُسرة، مع محاولة تبيان وجوب
"قيادة" الدولة اللبنانية أي مؤسساتها التشريعية
ـ لهذه المهمة.(المستقبل)