ولكن مسائل عدة تراكمت، دفعتني إلى
هذه المادة، ومن ذلك الحفل الذي دُعيتُ إليه بحلب وكذلك حفل الاستقبال الذي جرى
بدمشق، وكلاهما من أنشطة رابطة النساء السوريات التي تحتفي هذا العام بذكرى نشأتها
الستين، وكذلك الدعوة التي وجهها إلي فرع الاتحاد النسائي بحلب لإلقاء محاضرة عن
التنمية وتمكين المرأة، لكن الأهم من هذا، وذاك هو ما رواه لي أحد الزملاء عن حادثة
شديدة المأسوية عما يسمى بجرائم الشرف، التي لدى التمحيص والتدقيق في جميع هذه
الجرائم تبين أن الرجل هو المسئول عنها من بابها إلى محرابها.
والقضية أو
القضايا التي نودّ الإشارة إليها هي أن طفلة قتلت بدواعي الشرف ولما يتجاوز عمرها
العاشرة من العمر وقد تبين أن عذريتها مفقودة منذ ثلاث سنوات والفاعل واحد ويتجاوز
عمره الثلاثين. أما الحادثتان الأخريان أو الجريمتان فقد رواهما لي صديق، وقد جرّت
الجريمة الأولى على أسرتها فيما أعتقد حزناً عميقاً وعذاب ضمير وندم، إذ تبين أن
الفتاة المقتولة لم يكن لها في الأصل غشاء بكارة وربما تكون مثل هذه المسألة نادرة
أو نسبتها ضئيلة جداً ذلك ما كشفه الطبيب الشرعي بعد أن افتضح أهلها الذين قتلوها سراً
بعد أن استبدلوا بها أختها زوجة بديلة عن الزوجة المنتهكة زعماً. وحكاية ثالثة تبين أن الذي فضّ غشاء
بكارة طفلة ابنة سبع سنوات في حادثة ربما نسيتها الطفلة (إذ لم تكن تعي ما فعل
معها، وما تذكرت إلا بعد أن تزوجت فلامست سكين (الشرف) عنقها رجل في الخمسين من
العمر.
وهكذا ولا أقول
نتيجة أخطاء صغيرة أو غفلة من الأهل، بل نتيجة للجهل والحمق وبتأثير من العقلية
العثمانية، يقتل الأهل فلذات أكبادهم وتزهق الأنفس التي حرّم الله قتلها إلا
بالحق، ولكن أيّ حق هذا. بل أي شرف هذا الذي ما يزال القانون يسميه شرفاً، ومن أين
استمده الشرع إذا كان القرآن الكريم لم يأت على ذكر القتل ولا حتى الرجم في جرائم
الزنا كلها، أليس القرآن هو الحكم وهو المصدر الرئيسي للتشريع وهو دستور خطباء
المساجد الذين ينورون به عقول المسلمين؟ فهل نأخذ عنه أم عن فقهاء الجهل والظلام؟
وإذا كان
الرجل هو القاتل وهو الفاعل المسبب وهو الكل بالكل في هذه المشكلة لكيف لا ينتبه المشرّع
لدينا إلى أن القانون جزء أساسي من عملية التربية ومن تكوين الضمير الخلقي بكامله،
فالقانون الموجود لدينا وخصوصاً مادته الـ 548 التي تنص على ما يعرف بالعذر المحلّ
للجريمة، وبالتالي للتخفيف من السجن، يساهم مساهمة كبيرة في تنمية هذه الظاهرة،
فالمحامون ومع كل أسف يأخذون هذه المادة مستنداً لتحويل جرائم القتل العمد إلى
جرائم بدواعي امتهان الشرف! إضافة بالطبع إلى مسائل اجتماعية أخرى تتعلق بالوضع الاجتماعي
المتدني وبالجهل الذي يسود تلك البيئات التي تجري فيها مثل تلك الجرائم.
لا شك أن
أموراً كثيرة تقبع خلف ما يسمى الجريمة بدواعي الشرف، وفي مقدمتها حال المرأة الذي
فيما أرى وقياساً إلى التنامي السكاني لم يتغير كثيراً، رغم كل مظاهر المشاركات
الحاصلة في ميادين الحياة المختلفة، فالغالبية العظمى من النساء ما زلن عرضة
للاستغلال، وما زالت المرأة هي الأقلّ تعليماً والأقل أجراً، وما زالت القوانين
السورية عاجزة أو قاصرة عن منحها حقوق المواطنة الكاملة!(النور)