ناهيك عن
تدمير قرى وبلدات الجنوب، الأمر الذي أدى إلى تدهور في الأوضاع الحياتية لمجمل
الشرائح والطبقات الاجتماعية والمناطق، وخصوصاً الأرياف التي تدفع ثمن التأزم
السياسي المترافق مع تدهور اقتصادي غير مسبوق، تتضاعف نتائجه الكارثية بفعل
الحرمان المزمن الذي تعيشه هذه المناطق بدءاً بنيتها التحتية ودون الانتهاء
بالغياب المطلق لأي خطة حقيقية لتنميتها منذ عقود طويلة حيث تعتبر منطقة الهرمل
أحد أكثر المناطق المذكورة فقراً وحرماناً.
يؤكد
آخر الإحصاءات المتداولة إن ما يقارب 30% من العائلات الهرملية باتت تعيش تحت خط
الفقر وتعتمد في حياتها اليومية على المساعدات المالية والعينية التي تقدمها لها
العديد من الجمعيات الخيرية المحلية والمنظمات الإنسانية الدولية العاملة في
لبنان. إذ تساهم المساعدات في سد رمق العائلات المعدمة التي لا تملك أي دخل، لكن
الأمر الأكثر خطورة، بات يكمن في أكثر تداعيات الأزمة الاقتصادية والسياسية
تأثيراً على الأوضاع الحياتية لأبناء المنطقة والمتمثل في الارتفاع الهائل لأسعار
المواد والسلع الغذائية بعد أن تجاوزت عتبة الـ (100%) للكثير منها كالزيوت
ومشتقات الحليب على سبيل المثال و(50%) لمجمل المواد والسلع الضرورية الأخرى.
يؤكد
صاحب أحد المؤسسات التجارية الحديثة لبيع المواد الغذائية في مدينة الهرمل شادي
محفوظ بأن التراجع الكبير في المبيعات بدأ يدفعه للتفكير الجدي بإقفال المؤسسة والهجرة
مجدداً خارج لبنان ويعطي مثالاً على مدى التدهور في الأوضاع الحياتية للأغلبية
الساحقة من المواطنين قائلاً: "إن المشروبات الغازية وجبنة القشقوان تحولت
إلى كماليات لا يقدم على شرائها إلا عدداً ضئيل من الزبائن، وفي بعض المناسبات".
يلاحظ
محفوظ أن هناك انفلاتاً غير طبيعي للأسعار، يتجاوز الارتفاع العادي لها انسجاماً
مع موجة الغلاء العالمية، التي تطاول بعض السلع الغذائية، والغياب الكامل لمصلحة
حماية المستهلك، التي بالكاد نسمع باسمها، بل وإقدام العديد من التجار على
الامتناع عن بيع بعض المواد، نظراً للارتفاع المتسارع في أسعارها، ويلفت محفوظ أن
الأغلبية الساحقة من عائلات المنطقة تعيش إما على خط الفقر أو دونه وباتت تسعى
جاهدة للعيش "كل يوم بيومه" تتقشف حتى أقصى الحدود الممكنة حيث وصل الأمر
بالبعض إلى قضاء فصل الشتاء داخل أغطية و"حرامات" الصوف بسبب الارتفاع
الجنوبي في أسعار المحروقات.
كان
دخول المنزل بحاجة للمزيد من الانتظار، بسبب الحال الصحية السيئة لحسن فخر الدين،
ونهوضه المتثاقل والمترافق بالمزيد من نوبات السعال الحاد، والذي بالكاد يستطيع
فتح الباب ودعوتنا للدخول، حيث تستقبلنا زجاجات الأدوية المنتشرة في أرجاء الغرفة،
التي تستخدم في نفس الوقت للنوم والطعام واستقبال الضيوف. "الله يهد
المرضى" يقولها فخر الدين بعد نوبة أخرى ومتواصلة من السعال كادت تودي به
ويتوقف عن متابعة الحديث مع خروج زوجته من المطبخ المتصل مباشرة بالغرفة الوحيدة،
التي يتكون منها منزلهما، وقد بدا عليها الهزال، يسود الصمت ويطول قليلاً، بعد أن
نوضح لها سبب الزيارة وسؤالها عن كيفية تدبير أمور عائلتها، وتوفير احتياجاتهم
الغذائية وبدل الأدوية والتدفئة، توضح فخر الدين قائلة: "الأجاويد كتار"
وتتابع: "هناك من يتولى مساعدتنا بثمن الأدوية. أما التدفئة فإنني أجمع الحطب
من البساتين المجاورة لكن المشكلة الكبيرة تبقى في تأمين المواد الغذائية التي
نكتفي بالضروري جداً منها، وقد اعتاد أطفالي على عدم تناول الخبز إذا لم
يتوفر". تتطول الشكوى ونغادر كما دخلنا على وقع نوبات السعال المتتالية لحسن
فخر الدين...
يجلس
حسين مرتضى أمام منزله على كرسي بلاستيكية، تحطمت أحدى أرجلها التي استعاض عنها،
بحجر إسمنتي وقد تحلق حوله أطفاله الستة، لن نتجشم عبء السؤال، فقد أدرك مرتضى سبب
الزيارة وبادر إلى عرض أوضاعه الحياتية والصحية المتدهورة، وهو العاطل عن العمل
منذ ستة أشهر ويكمل: "توقفت عن عملي كمتعافد في بلدية الهرمل، بعد أن بدأت
أشعر بألم في الظهر، تبين أنه ناتج عن انحناء في العمود الفقري، ولم يبق أمامي أي
حل سوى الطلب من ابني محمد التوقف عن متابعة دراسته، والتفتيش عن عمل من أجل تأمين
لقمة العيش للعائلة" لم يتجاوز محمد سنته الثالثة عشرة و الذي خرج من المنزل
خلال حديثنا مع والده مستنداً إلى عكار بعد أن تعرض لإصابة خلال العمل يتوقف مرتضى
عن متابعة حديثه وقد اجتاحت الغصة حلقة لكن دموعاً سالت على وجنتيه ببطء كانت
كافية لقول الكثير مما كان يريد البوح به...
ننتقل
إلى حي آخر في مدينة الهرمل، نقترب من منزل حسين طه، كان المشهد الخارجي مشابها
تماماً للكثير من المنازل المحيطة به، غرفتان صغيرتان تم بناؤهما بشق الأنفس،
وتفتقدان لكل المقومات الصحية، لكن عندما تفتح قناة صغيرة باب إحدى الغرفتين، يبدو
الفارق كبيراً ومغرقاً في المأساوية، عندما تظهر الوالدة ممدة في أرض الغرفة
المعتمة، في حال من الوهن والإعياء الشديدين، تكاد تلفظ أنفسها الأخيرة، وقد تبعثر
كل شيء في المنزل، وتسمر الأطفال في زواياه والهلع باد على وجوههم، وكأنهم فقدوا
الأمل من بقاء والدتهم على قيد الحياة، تنتهي المهمة الصحافية وتتحول إلى رجال
إسعاف أولي، وننقل المرأة إلى داخل السيارة، التي تنتهي بنا في المستشفى القريب،
نتصل بإحدى الجمعيات الخيرية التي تتبنى معالجتها. نعرف لاحقاً أنها مصابة بالتهاب
خطير في الكبد منذ مدة، دون أن يتمكن زوجها من معالجتها، بسبب فقره المدقع، والذي
يعاني من إعاقة جسدية بسبب إصابته خلال فترة الحرب الأهلية، وتخلي التنظيم الذي
كان تابعاً له عن الاعتناء به. في الطريق للمستشفى لم تكن زوجة طه تأبه لحالها
الصحية السيئة فقد كان تفكيرها محصورا بأطفالها دون أن تتوانى عن التردادي قائلة :
"منذ عدة أشهر لم يعرف أطفالي طعم اللحوم أو الفاكهة مؤكداً أن وجبتهم
الوحيدة بضع أرغفة من الخبز (الحاف)".
تمتد
مدينة الهرمل، بمنازلها الصغيرة، نحو سفح سلسلة جبال لبنان الغربية بتشابه ورتابة،
محتضنة مئات العائلات الفقيرة، وتتعدد قصص الحرمان والمعاناة التي تدور أحداثها
المؤلمة داخل الغرف العتيقة والمعتمة لتلك المنازل، إلى أمد لا يستطيع أحد الإجابة
عليه، خصوصاً وأن المسؤولين السياسيين في لبنان غارقون في الصراع من أجل تقاسم
الحصص في دولة تنهار يوماً بعد آخر، وحيث تبقى نهاية كل قصص الجوع والفقر والمرض،
أما الموت أو مساعدة تقدمها جمعية خيرية تؤجله قليلاً.(إيلاف)