وما زال السكان البسطاء في مصر يدفعون
حتي اليوم الثمن غاليا لمخلفات الحرب العالمية الثانية. وذكر تقرير منشور علي موقع
مجلة (دير شبيغل) أن الألغام الأرضية في المناطق التي شهدت فصول الحملة العسكرية التي
قام بها الماريشال الألماني إيرفين رومل التي لا أحد يعرف عددها، ما زالت بعد مضي
أكثر من ستة عقود علي نهاية الحرب باستسلام ألمانيا النازية في الثامن من مايو عام
1945، تعيق نمو الاقتصاد المصري لأن وجودها في باطن الأرض يعرقل الجهود للبحث عن
ثروات طبيعية يعتقد أنها موجودة في تلك المناطق.
البدو يكتشفونها، وكذلك الفلاحون، لكن
في الغالب في وقت متأخر، إذ أن هذه الاكتشافات القاتلة سرعان ما تنفجر وتلحق بهم
أشد الأذي كما تنفجر بأيدي تجار الخردة الذين يحاولون بيعها. وهذا شيء عادي في
منطقة العلمين والمناطق المحيطة بها. يضاف إليها الألغام الأرضية التي ما زالت تحت
الأرض نتيجة الحروب الثلاث التي خاضتها مصر ضد إسرائيل.
وتعتبر مصر اليوم في مقدمة دول العالم التي توجد في أراضيها ألغام
وتأتي بعدها أفغانستان كذلك. وفقا لتقديرات غير رسمية ما زال في المناطق الواقعة
في القسم الشمالي الغربي من مصر ما يزيد علي 22 مليون لغم أرضي وقنابل قابلة للانفجار.
كثير منها موجود من المناطق التي حصلت
فيها معركة (العلمين) التي وقعت في خريف عام 1942 عندما أجبر
الماريشال رومل فرقة إفريقيا التابعة للجيش البريطاني علي الانسحاب. بينما ألمانيا
وبريطانيا وإيطاليا تنعم بالسلام اليوم فإن السكان الفقراء في جبهات القتال
السابقة يدفعون ثمن الحرب غاليا إذ ما زالت فيها ألغام مضادة للدبابات وغيرها من
صنوف الألغام والقنابل التي مع الزمن زحفت من مناطق إلي أخري وأصبحت ممتدة تحت مساحة
أرضية شاسعة.
ولم يتم استغلال المنطقة سياحيا بسبب
خطورة الألغام. لكن مصر تواجه منذ عقود مشكلة في تحقيق تنمية في المناطق الملغومة
الموجودة أيضا في أراض تحتوي علي ثروات طبيعية أهمها النفط والغاز والمعادن. وكانت
مصر علي الرغم من وجود أراض صحراوية شاسعة فيها من ضمن الدول التي تنتج النفط. ويعتقد بأنه لولا خطر ألغام حرب الدول الكبري لأمكنها اليوم استخراج
4.8 مليار برميل من الذهب الأسود الموجود فقط في القسم الشمالي الغربي من البلاد
وهذا ما يجعل مصر مؤهلة للانضمام إلي منظمة (أوبك) الخاصة بالدول المنتجة للنفط.
تم حفر بئر نفط في منطقة العلمين لكن
وجود الألغام يمنع الخبراء من المجازفة في توسيع أعمال التنقيب عن النفط والغاز
والمعادن. كما تمنع الألغام مشروع بناء أنبوب يضخ
الغاز من المنطقة إلي الإسكندرية.
وقام خبراء تابعون للجيش المصري بتنظيف
المنطقة من 2.9 مليون لغم لكن أعمال التنظيف مكلفة جدا وقد أدي عدم توفر المزيد من
أموال الدعم إلي وقف أشغال التنظيف. وصرح فتحي الشاذلي المسؤول عن عمليات تنظيف الألغام
بأن مصر لا تستطيع حتي اليوم الاستفادة من الثروات الكبيرة المدفونة في أرض
العلمين بسبب مخلفات الحرب العالمية الثانية.
عملت الجيوش المتحاربة في العلمين في
عام 1942 في زرع الألغام لعرقلة تقدم الخصم وحصر حريته. في العلمين وحدها أمر
الماريشال رومل بزرع نصف مليون لغم ويعتقد بأن البريطانيين زرعوا أكثر. كما مشكلة
الألغام تعطل القيام بمشاريع سياحية في واحدة من أجمل المناطق. لكن هذا لم يمنع
رجل الأعمال المصري إبراهيم كامل من القيام بالخطوة الأولي إذ مول بناء مطار يريده
أن يكون بوابة السياح الغربيين إلي العلمين والآن يريد بناء منتجع سياحي في خليج
العلمين تمهيدا لبناء سلسلة أخري من المنتجعات لإحياء المنطقة.
وإذا تم تنظيف المنطقة تراهن
الحكومة المصرية بأن يجري توطين 1.5 مليون نسمة. وناشد
الشاذلي حكومات الدول التي خاضت معركة العلمين العودة لكن هذه المرة مسلحة بآلات
التنقيب عن الألغام والعمل في تنظيفها. كما من الواجب الأخلاقي
علي هذه الدول أن تعتني بضحايا الألغام التي زرعتها جيوش ألمانيا وبريطانيا
وإسرائيل حيث الأرقام وحدها تشير إلي فداحة الأضرار التي تسببها إذ بلغ عدد
الأشخاص الذين قتلوا وجرحوا بفعل الألغام أكثر من ثمانية آلاف.
في فبراير الماضي عندما اجتمع ممثلون عن
مائة بلد في ولينغتون - نيوزيلندة لمناقشة موضوع
حظر إنتاج الألغام واستخدامها، لفتت منظمة حقوق الإنسان الأمريكية (هيومان رايتس
ووتش) إلي أن إسرائيل رشت أراضي لبنان في صيف عام 2006 بما يزيد علي 4.6 مليون لغم
أرضي. واعتمدت المنظمة في معلوماتها علي اعترافات جنود إسرائيليين قاموا بتزويد
الطائرات الإسرائيلية المغيرة بالقنابل العنقودية المحظورة دوليا. واستخدمت
إسرائيل هذه الصواريخ التي يعتقد بأنها إما حصلت عليها من الولايات المتحدة أو أنها
صنعتها بنفسها ورمتها علي أكثر من ألف موقع في جنوب لبنان. بوسع كل قنبلة عنقودية
فرز ألفي قنبلة وأكثر من ربع عدد هذه القنابل لم ينفجر خلال الحرب وقتلت حتي الآن
أكثر من 30 وجرحت أكثر من 200 من اللبنانيين.
وطالبت المنظمة الأمريكية من واشنطن عدم
تزويد إسرائيل ب 1300 من القنابل العنقودية التي طلبتها ضمن أسلحة أخري ودعت
الإدارة الأمريكية إلي تحمل ما وصفته بالمسؤولية الخاصة تجاه لبنان لأنها زودت
إسرائيل بالقنابل العنقودية وإرسال خبراء للعمل في التنقيب عن القنابل التي لم تنفجر
والسعي للتخلص منها.
من ناحية أخري أشارت نرمين عثمان وزيرة
البيئة العراقية إلي أن العراق يخطط للقيام ما وصفته بأكبر عملية لتنظيف أرضيه من
الألغام في محاولة للتخلص من 25 مليون لغم لم ينفجر في حوالي أربعة آلاف حقل ألغام
في أنحاء البلاد وقالت إنه سيتم إعداد تقرير للحكومة في شهر سبتمبر القادم. ويحتوي العراق وفقا لأقوالها علي نحو 25 بالمائة من مجموع الألغام غير المنفجرة
في العالم. تم زرع ألغام خلال الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمانية أعوام
وكذلك خلال حرب الخليج الأولي عام 90-1991 بالإضافة إلي الحملة العسكرية التي قامت
بها الولايات المتحدة في مارس عام 2003 وأدت إلي تغيير نظام صدام حسين واحتلاله.
وأبلغت نرمين وكالة أنباء (إيرني)
التابعة للأمم المتحدة أن معظم هذه الألغام موجودة في المناطق الحدودية التي تمتد
من الحدود الشمالية مع تركيا وإيران إلي الحدود مع الكويت في الجنوب. وقام العراق بعد
الغزو بتشكيل لجنة كلفت بمعالجة مشكلة الألغام وأوكلت المهمة إلي شركات خاصة
لإزالتها لكن بسبب تأزم الوضع الأمني في البلاد لم تتم حتي الآن عمليات كبري
لإزالة الألغام. كما في مصر ولبنان فإن وجود الألغام غيرت جوانب الحياة لشعوب هذه
الدول. إذ في حالة العراق تحول دون استغلال المزارعين أراضيهم وكذلك تعيق
الاستثمار في مجال النفط.
ويعترف ديفيد شيرر المنسق
الإنساني للأمم المتحدة في العراق بأن الوجود الكبير للألغام في أراضي العراق له
أضرار متنوعة لا تكمن فقط في الضرر الذي قد تلحقه بالأشخاص ولكن تتعداه لتؤثر في
النمو الاقتصادي لأنها تعيق تنمية احتياطي النفط وغيرها من الصناعات علاوة علي ترك
آلاف الهكتارات من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة وبذلك حرمان السكان من الغذاء.(الراية)