هل يمكن أن
يتم تطبيق إصلاح أو تحديث حقيقي في بيئة تزكم فيها رائحة الفساد الأنوف، وتُحبط
فيها الممارسات الفاسدة حماس المصلحين والمحدثين المخلصين؟ وهل يمكن لصناعتي
الفساد والتحديث والإصلاح أن يتعايشا معاً؟
وهل يمكن طرح
المئات من مشاريع التحديث والتطوير التي تكلّف المليارات وتحتاجها البلاد أشد الحاجة،
في الوقت التي تعشعش فيه وتتجدز صناعة الفساد التي يمكن أن (تلهط) وتشفط المليارات
وتقدم انجازات ورقية أو فعلية تفتقد لأبسط المواصفات الهندسية والفنية والقانونية
والبيئية والصحية ومواصفات الأمان والسلامة الأساسية؟
التناقض
المنطقي والعملي بين الإصلاح والفساد يجعل إمكانية التعايش بينهما غير ممكن أو غير
معقول عملياً.
واستفحال الفساد
طوال السنوات الماضية وتجذره في كل مرافق الدولة الليبية والمجتمع جاء أولاً وقبل
كل شئ نتيجة ميراث الدولة الشمولية التي تمعّش في أحضانها الفساد على مدى اكثر من
ثلاثين عاماً.
ولكن في نفس
الوقت، لا يمكننا أن أن نلقي باللائمة حصرياً على الفساد المؤسسي للدولة فقط،
فالفساد بطبيعته ينتج من ممارسات مؤسسية كما يتولد من ممارسات وسلوكيات مجتمعية في
نفس الوقت.
فالممارسات المؤسسية
التي تشجع على الفساد تشمل السلطات الواسعة أو اللامحدودة للسلطة الحاكمة والتي
توفر أكبر فرص للفساد وأقل فرص المحاسبة في نفس الوقت. الأمر الذي من شأنه أن يلغي، أو يقلّص في أفضل الحالات، ثمن أو
تكلفة السلوك الفاسد.
ولا يجب أن ننسى الإنحراف الكبير في معنى الوظيفة الحكومية الأمر
الذي يولّد سلوكيات خدمة النفس بدل خدمة المجتمع. فتصبح الوظيفة الحكومية (بقرة
حلوب)
تعتمد قدرتها
الإدرارية على نوعية الوظيقة ومكانتها في السلم الوظيفي وفرص الفساد والإستغلال
التي توفرها.
أما الممارسات
المجتمعية التي تنمي وتنشر ظاهرة الفساد فتشمل الولاء للمصالح الشخصية ومصالح
العشيرة أو القبيلة أو العائلة بدلا أن يكون الولاء للقانون والوطن ومصالح الوطن
الآنية والإستراتيجية.
ويرتبط ذلك
بطريقة أو بأخرى بمدى شعور المجتمع بمشروعية الحكومة وحدود سيطرة حزب وحيد أو نخبة
محدودة حاكمة على العملية السياسية والإقتصادية. الأمر الذي من شأنه أن يخلق حالات
التشرذم وتعدد الولاءات في داخل المجتمع الواحد.
وتتمثل خطورة
الفساد في قدرته على تكييف المجتمعات على التعايش معه والتكيف مع متطلباته حتى أنه
اصبح اليوم صناعة جهنمية متشابكة ومتداخلة في المجتمع. أو حسب قول الباحثان المتخصصان جون سوليفان والكسندر شكولنيكوف:
"أصبح الفساد مترسخاً ومؤسساتياً في المجتمعات إلى درجة أصبح التعامل معه على
أساس يومي أكثر سهولة من مكافحته".
والفساد عملية
مركبة وتراكمية تشترك فيها عدة اطراف ذات مصالح متنوعة تلتقي حول المال والجاه
والنفود والحصول على الفرص والتسهيلات والحقوق الحصرية بدون وجه حق وبدون اتباع
سبل المنافسة الشريفة حسب الاشتراطات القانونية المعمول بها.
والمفسد، الذي
يمارس الفساد ويعمل على نشره، أناني بطبيعته وخلقه، همه مصلحته ودأبه جر غيره
لممارسة نفس السلوك حتى لا يكون النعجة السوداء الوحيدة في القطيع. ولا تصبح
المماسك ضده فقط بل يعمل على توريط غيره معه من أجل ضمان سكوتهم وتعاونهم في نفس
الوقت. فالفساد في المجتمعات اليوم ليس مسألة فردية أو سلوك شخصي أو عدد قليل من
"التفاحات العفنة" كما يقال، يمكن تنحيتها عن مناصبها أو اعفائها من
مسؤولياتها.
وعندما حكمت محكمة
أميركية في كاليفورنيا في العام الماضي على عضو الكونغرس الأميركي دوك كونيغهام
بالسجن لسنوات وغرامة ضخمة بتهمة الإرتشاء والمحسوبية لحساب مجموعة الشركات، حكمت
المحكمة أيضاً على مدير إحدى هذه الشركات بتهمة إفساد آخرين وايقاعهم في شرك
الفساد عن طريق عرض رشاوى مالية وفي شكل خدمات لقاء تقديم تسهيلات.
الواقع العملي
يقول أن جميع المجتمعات تواجه مشكلة الفساد، لكن الفرق بين أن يكون الفساد
والإفساد جريمة يتعقبها القانون ويعاقب عليها، وبين أن يكون الفساد هو الصناعة
الوحيدة الناجحة القائمة والسلعة الوحيدة الرائجة فرق كبير وواضح.
إن الحملة
الفعّالة على الفساد تبدأ بالإعتراف بأنه ما من نظام أو مجتمع مُحصّن ضد الفساد،
وأننا قد نحتاج إلى بدء جهودنا عبر عملية أساسية جداً، ألا وهي بناء الفهم
المتبادل لما يعنيه مصطلح الفساد وتطوير آليات حكومية ومجتمعية لمكافحته وتقليص
انتشاره وتجذره. فوفقاً للبنك الدولي، من الممكن بوجه عام وصف الفساد على انه
إساءة استخدام السلطة العامة لأجل الفائدة الشخصية. وتشمل أنواع الفساد، الفساد
الواسع النطاق الذي ينتشر على أعلى مستويات الحكومات القومية، والفساد البسيط، أي
تبادل مبالغ صغيرة جداً من المال أو منح أفضليات محدودة من جانب أصحاب المراكز
الثانوية. فبصرف النظر عن نطاق الفساد، فإن جميع هذه الممارسات تقوّض تطور المجتمع
المدني وتزيد من تفاقم الفقر، على الأخص عندما يُسيء المسؤولون إدارة أو استخدام الموارد
العامة التي كانت سوف تُستخدم لتمويل طموحات الناس لحياة أفضل.
إن أول خطوات
الإصلاح تتمثل في إدراك طبيعة وحجم وخطورة ومدى انتشار مرض الفساد في المجتمع.
وأنه لا إصلاح حقيقي مع تجذر الفساد وفي الوقت نفسه فإن أي حركة إصلاح حقيقية
بطبيعتها يجب أن تكون خصماً عنيداً للفساد والمفسدين. فالمفسد والمصلح خصمان
عنيدان لذوذان لبعضهما البعض. وانتصار احدهما عادة ما يكون على حساب تقهقر الآخر.
من هنا يمكننا
القول أن السلطة الليبية الحاكمة يمكن أن تثبت جديتها في مكافحة الفساد بأن تبدأ
بإنشاء أو تفعيل أو تكليف جهاز قانوني جنائي متخصص ومستقل وذو صلاحيات يكلّف بشن
حرب حقيقية على مافيا الفساد وتعقّب جرائمها، بدل الإكتفاء بدعوة المفسدين إلى
التوبة والإعلان عن عملياتهم الإفسادية الممتدة عبر عقود طويلة. كما يجب أن تعمل
السلطة الحاكمة على اصدار قانون مشابه لما هو موجود في الديموقراطيات الغربية (قانون
حماية نافخ الصافرة)
whistleblower Lawالذي يقدّم الحماية القانونية والوظيفة لمن يبلّغ عن الإختراقات
والمخالفات القانونية وعمليات الفساد في الأجهزة الحكومية والمؤسسات والشركات
العامة والخاصة. كما يجب أن يتم تشجيع المواطنين والتجمعات المهنية المختلفة على
"نفخ الصافرة" ضد مظاهر الفساد عبر تطوير وسائل لتقديم البلاغات عبر
وسائل مأمونة لا تكشف مصدر البلاغ، عبر الإنترنت مثلا، حيث يستطيع أي مواطن تقديم
بلاغات أو تزويدهم بمعلومات أو شكاوى عن حالات فساد أو عمليات فساد تجري دون
اللجوء إلى كشف انفسهم وتعرضهم للضغط أو التخويف أو الإعتقال أو الإبتزاز من قبل
أي جهة.
كما يجب أن
تلعب المؤسسات المدنية والمحلية دورها، خذ على سبيل المثال ما قام به المواطنون في
دولة كولومبيا اللاتينية، عندما غيّرت جماعة فيدورياس (لجان إشراف المواطنين) ممارسات التوظيف والمحسوبية في المدارس
المحلية، كما قامت بكشف ومنع بُناة (مقاولات) الطرق من استخدام نوعية متدنية من المواد
في رصف الطرق وسرقة المال العام.
وكذلك في دولة
مالي الأفريقية، عندما اكتشف دافعو الضرائب في أحد أحياء مدينة باماكو تلاعبات في
الموازنات المحلية قادت إلى إعفاء وإدانة عدة رسميين محليين بذلك. وهناك أمثلة
أخرى كثيرة في رواندا وتنزانيا تسردها المؤسسات الدولية التي تساعد على محاربة
الفساد.
كما يجب أن
تلعب المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والثقافية دورها بتوعية وتثقيف المواطنين
بمعنى الفساد وأشكاله ومظاهره وآثاره على الوطن والمواطن وتسلط الضوء ثقافة الفساد
وخُلق الفساد والمفسدين.
في الوقت
نفسه، يجب أن تعمل فيه السلطة الحاكمة على اكتساب نوع من الشرعية القانونية
والسياسية الأمر الذي يجعلها محل ثقة واحترام وولاء المواطنين، وينتهي شعور
المواطن بأن هذه ما هي حكومة الأقلية والنخبة والقطط السمان فقط الأمر الذي يدفعه
إلى الوقوع في
أحضان الولاء للمصالح الشخصية ومصالح العشيرة أو القبيلة أو العائلة بدلا أن يكون
الولاء للقانون والوطن ومصالح الوطن الآنية والإستراتيجية.
فهل سنشاهد
تحركاً حقيقياً قريباً في هذا المجال؟