أخذ الاغتصاب في الرواية تجليات كثيرة منها:
اغتصاب الجسد الذي تتعرض له شخصيات الرواية من بينها العاتي ووردة الفتاة التي
انخرطت في تنظيم سري، فضلا عن اغتصاب الروح الذي يتعرض له المجتمع كله واغتصاب
الفكر الذي يتعرض له المثقف.
قالت الناقدة المصرية هويدا صالح في
قراءتها لـ«الاغتصاب»: «حين تصبح الأيدولوجيا السياسية محركا للإبداع، ينحى الكاتب
إلى قراءة التاريخ، فتصبح الرواية مرآة تعكس المشهد الحضاري، يعنى الكاتب فيها
بالأساس الثقافي الحضاري في تجلياته الاجتماعية والدينية.»
خيال
بعد تجربته في مجال أدب الخيال العلمي
نال الهادي ثابت عن روايته «القرنفل لا يعيش في الصحراء» جائزة «كومار» الذهبية
عام 2004.
في روايته الجديدة يرصد الكاتب التحولات
السوسيولوجية والسوسيوثقافية التي حدثت في المجتمع من خلال إجابته عن أسئلة تتعلق
بملامح الهوية التي ما زالت تثير الجدل.
مزقت الرواية ستار التأويلات الجاهزة
التي يفرضها المجتمع وهو الستار الذي يَحُول دون استكشاف مجالات التجربة
الإنسانيّة التي تُهملها وسائل التأويل الأخرى التي تقدم المعرفة سواء كانت
فلسفيّة أو دينيّة أو سيكولوجيّة وغيرها. لا تصبح هذه التأويلات متاحة للمتلقي ومقنعة
له إلا من خلال الروائي الذي أصبح مطالَباً بأن يرى العالم بكل دقائقه بعمق وبرؤية
تختلف عما يراه غيره وبأن يقول ما لم يقله غيره.
رسم الكاتب من خلال هذا السرد، الذي
يأخذ خطوطاً من التاريخ ومن السياسة، صورة عن نفسه ومجتمعه وتاريخه وقيمه وموقعه،
من هنا يعتبر السرد الوسيلة التي يستعين بها الجميع من دون استثناء في التعبير عن
أنفسهم وعن غيرهم.
ناقش الكاتب قضايا وتابوهات ما زلنا
نناقشها راهناً. يقدم لنا عدداً كبيراً ومتشعباً من الأشخاص الذين يتقاطعون
ويتوازون في تمثيل المشهد السوسيولوجي والثقافي للمجتمع، سحقتهم الهزائم والانكسارات
بشتى صورها على اختلاف توجهاتهم.
موت الفتى
بطل الرواية الذي يمثل الشعب التونسي هو
ذلك الشاب العاتي الذي يسجن في أحداث الشغب التي تلت موت الفتى في زقاق حي البرج
ويتعرض للتعذيب بشتى أنواعه حتى يشي بأفراد التنظيم، إلا أنه يرفض البوح بأية
معلومات عن التنظيم اليساري الشيوعي. على الرغم من إيمانه الشديد بقيمه ومبادئه
إلا أنه يتحول عنها في النهاية نتيجة الهزائم المتكررة والاغتصاب الجسدي والفكري
الذي تعرض له.
بعد فشل مهمته عبر التنظيم اليساري
يسافر إلى باريس وهناك يقابل أحد الأصوليين الذي يتحايل عليه بكل الوسائل النفسية
لإستمالته إلى فكر مناهض لقناعاته السابقة، ثم يعرض عليه السفر إلى باكستان في
رحلة تبدو مبهمة، فيقبل ويميل إلى تبني الفكر الأصولي ويتحول من أقصى اليسار إلى
أقصى اليمين ويتمّ غسل دماغه ويجنَّد من قبل الراديكاليين الأصوليين ويسافر إلى
باكستان.
لغة بصرية
ينجح الهادي ثابت من خلال سرده الشفاف
الغني بالتحليل والاستنطاق والوصف، في تفكيك الثوابت الراسخة وزلزلتها من خلال
تركيب صورة خاصة للشخصيات التي تساعده في بناء العالم التخييلي للنص. كذلك ينجح في
رصد تفاصيل المكان بلغة بصرية موفقة.
نما الخط الزمني في الرواية نمواً
متصاعداً منذ لحظة الحدث الأول (قتل الفتى) وحتى المشهد الأخير (سفر العاتي إلى باكستان)،
وكأن الرواية جاءت بين قوسين زمنيين مفتوحين على نهاية تفتح أفق التوقع لدى القارئ.
أجاد الكاتب استخدام السرد عبر الراوي
العليم القادر على الغوص داخل الشخصيات ووصف نزاعاتها وآلامها وأحلامها، كذلك ساعدته
اللغة الشفافة على إيصال المعنى في ما يشبه الطلقة الموجهة إلى هدف محدد هو كشف
المسكوت عنه في الماضي التونسي والعربي.