/ الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية/ الحق في الغذاء الكافي
    

 
الاربعاء, 14 May 2008 13:42:00

تحكم الجوار بالمياه يهدد حياة ثلث العراقيين


إنسان نت - أسامة مهدي - لندن : حذر خبير مياه عراقي من إقتراب الوضع المائي في العراق من وضع حرج لم يشهده منذ سبعينات القرن الماضي مع بداية إنشاء السدود على حوض الفرات في تركيا وسوريا وإيران على فروع نهر دجلة.
تغيير حجم الخط
الدكتور حسن الجنابي خبير الموارد المائية العراقي

وقال إن الأمر يزداد حراجة مع الوقت بسبب الحاجة المتزايدة إلى المياه في هذه الدول حيث أعلنت تركيا أنها ستستخدم 21 مليار متر مكعب سنويًا من مياه دجلة والفرات، وقدرت سوريا حاجتها من الفرات بأكثر من 8 مليارات متر مكعب في السنة، فيما تستمر ايران وبوتيرة عالية في إنشاء سدود حجبت وتحجب مليارات أخرى، وحيث ان هذه الكميات الكبيرة من المياه كانت من حصة العراق منذ الأزل وهو ما يهدد حياة ثلث سكان العراق.

الوضع المائي في العراق يقترب من الخط الحرج

ولا تزال التوقعات بسنة جافة في العراق هي السائدة فلم يشهد الشهر الماضي أمطارًا في أعالي نهري دجلة والفرات في تركيا وفروعهما كما أن درجات الحرارة المسجلة تشير إلى أنها أعلى من المعدل، مما يقلل من احتمالات تساقط الأمطار ويعرض أراض واسعة للجفاف وبشكل خاص الأراضي الديمية المعتمِدة على الأمطار، اضافة الى ان الطقس السائد في المنطقة يشهد مظاهر تقلبات عدة .

فقد ازدادت العواصف الرملية في العراق بنسب مخيفة هذا العام، وهي مؤشر مهم على سيادة نظام مناخي قد يكون مختلفًا عما ألفته المنطقة عبر تاريخها. وفي الوقت الذي لا يمكن الجزم أن هذه الظاهرة مرتبطة بالتغيرات المناخية الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، إلا انه من الخطأ استبعاد هذا الاحتمال . لكن من المؤكد أن العراق والمنطقة يشهدان ظاهرة انحباس الأمطار وقلة تساقط الثلوج، مما أدى إلى شحة خطرة في الموارد المائية المتاحة في العراق. وتقدر وزارة الموارد المائية العراقية إيراداتها المائية هذا العام بحوالى ثلث المعدل العام.

ولذلك فإن الوضع المائي في العراق بدأ بالاقتراب من الوضع الحرج منذ سبعينات القرن الماضي أي مع بداية إنشاء السدود على حوض الفرات في تركيا وسوريا، وكذلك في أوقات لاحقة من قبل إيران على فروع نهر دجلة وهذا الوضع سيزداد حراجة مع الوقت بسبب الحاجة المتزايدة إلى المياه في هذه الدول كما أن خططها في هذا الاتجاه معلنة وليست خافية . وعلى سبيل المثال فقد أعلنت تركيا أنها ستستخدم 21 مليار متر مكعب سنويًا من مياه دجلة والفرات، أما سوريا فتقدر حاجتها من الفرات بأكثر من 8 مليار متر مكعب في السنة .. أما إيران فهي مستمرة وبوتيرة عالية في إنشاء سدود حجبت وتحجب مليارات أخرى، ومن البديهي أن هذه الكميات الكبيرة من المياه كانت من حصة العراق منذ الأزل .

خبير الموارد المائية حسن الجنابي

ويقول الدكتور حسن الجنابي الخبير العراقي في الموارد المائية في حديث مع "ايلاف" من بغداد اليوم إن أي توسع في مساحات المشاريع الإروائية في دول الجوار يعني في نهاية المطاف تقليصًا للمساحات المزروعة أو القابلة للزراعة في العراق. وأشار الى انه في ظل انعدام وجود اتفاقية دولية طويلة الأمد لتقسيم المياه بين الدول المتشاطئة يبقى العراق يدفع ثمنًا باهظًا، وخاصة في مواسم الشحة.

واضاف الجنابي أن العراق كان عبر تاريخه الطويل موطنًا للمسطحات المائية التي تغطي في مواسم الفيضان ما يقرب من 10% من مساحته وهي، حسبما يقول، نعمة تتمتع بها بلدان قليلة جدًا، وتمثل ثروة اقتصادية كبرى، لكن الحكومة السابقة، ولأسباب باتت معروفة تبنت رسميًا سياسة تجفيف الأهوار والمناطق الرطبة في محاولة مدروسة لإفقار السكان عن طريق تدمير الشروط التي أنتجت تلك الحضارة، وأهمها الماء، فارتكبت بذلك جريمة كبرى راح ضحيتها ليس السكان فحسب بل كذلك البيئة والاقتصاد الزراعي وخلقت شروطًا مغايرة أدت في النهاية إلى انتشار سريع للتصحر وانخفاض كبير في إنتاجية الأرض.

ويرى الجنابي أن أكثر المناطق تضررًا من شحة المياه حتى الآن هي مناطق الزراعة الجافة "أي المعتمدة على الأمطار" ولكن الزراعة السيحية ستأخذ نصيبها من الضرر عندما يتضح حجم الشحة. وقال انه بات من الواضح أن نهر ديالى يعاني مشكلة كبرى وان الحقول والأراضي الخصبة في تلك المحافظة ستعاني كثيرا من شحة المياه بعد أن اقترب خزين سد حمرين من الصفر تقريبا. ويقول إن القطاع المائي يعاني من مخلفات النظام السابق ايضًا وخاصة سياسة التجفيف وإهمال المنشآت وتقادم المعدات وما شابه، إضافة إلى ضغوط الوضع الأمني والحاجة إلى توليد الطاقة الكهربائية في الوقت نفسه الذي تجب فيه معالجة الشحة وتقديم خدمات الإرواء للزراعة وكذلك مياه الشرب والاستخدامات المنزلية والصناعية.

ويعتقد الجنابي أن إجراءات مكافحة شحة المياه لا تنجح بمجرد اتخاذ قرارات على مستوى أعلى بل بتضافر الجهود بين وزارة الموارد المائية ووزارتي الزراعة والبلديات والأشغال العامة إضافة إلى السلطات المحلية والأهالي ويقولون إنه يجب إيقاف النزف المائي والهدر اللامعقول لهذه الثروة الكبيرة للعراق. وقال "علينا أن نتصور أن حياة أكثر من 30% من سكان العراق البالغ عددهم حوالي 30 مليونًا تتهدد بشكل حقيقي من شحة المياه. لذلك يجب أن يخضع الجميع للقانون بشكل تطوعي لا تعسفي من اجل توفير المياه للجميع". شدد بالقول ان "اكبر قضية بالنسبة إلي هي أن تسعى الحكومة العراقية للحفاظ على الثروة المائية وإيقاف الزحف الصحراوي عن طريق زيادة المسطحات المائية والمساحات الخضراء ورفع مستوى أنظمة الري، وتحسين شبكات توزيع المياه ومنع الهدر ومعاقبة الملوِّثين، أفرادًا ومؤسسات، وتحسين الإنتاج الزراعي وخلق شروط انتعاش الاقتصاد الزراعي المحلي ودعمه في وجه المنافسة غير المنصفة التي تمثلها المنتوجات الزراعية في دول الجوار". سدود صغيرة للسيطرة... وخبراء عراقيون وأميركيون يتصدون للأزمة وفي اطار الخطوات اللازمة للتقدم نحو علاج ازمة شحة المياه، فقد أعلنت وزارة الموارد المائية العراقية عن إنشاء عدد من السدود الصغيرة للسيطرة على المياه وللسقي في مناطق مختلفة من العراق. وقال مصدر في الوزارة إن المديرية العامة للسدود والخزانات باشرت بتنفيذ عدد من السدود الصغيرة منها سد مندلي بمحافظة ديالى (65 كم شمال شرق بغداد) ويقع على فرع من فروع نهر حران الذي ينبع من السفوح الغربية لجبال زاكروس في إيران. وأضاف أن المديرية باشرت بإنشاء هذا السد نظرًا لقلة المياه التي ترد إلى الوادي الذي يجف أحيانًا في الصيف .

ومن جهتهم، بدأ خبراء عراقيون وأميركيون إجراءات واستعدادات لمواجهة أزمة شحة المياه خلال فصل الصيف في العاصمة بغداد وبقية أنحاء بلاد وادي الرافدين. وفي مقر وزارة الموارد المائية العراقية في بغداد، بحث عدد من المديرين العامين والمختصين في شؤون الزراعة والمياه الخطة الزراعية الصيفية لعام 2008 والتي ستلتزم بموجبها الوزارة بتأمين المياه إلى الأراضي الزراعية مع مراعاة النقص الحاد بالإيرادات المائية لهذه السنة، حيث بلغت نسبة الإيرادات لنهر دجلة وروافده 45 في المئة من المعدل العام و69 في المئة لنهر الفرات من المعدل العام نظرًا لاستمرار ظاهرة قلة سقوط الأمطار والثلوج في أحواض تغذية نهري دجلة والفرات وروافدهما خارج العراق وداخله مما أثر على الخزن المتحقق في السدود والخزانات.

واتفق المختصون على أن تكون إنطلاقات الري الأولى لمحصول الشلب ابتداءً من الاول من الشهر المقبل ولغاية العاشر من تموز (يوليو) الذي يليه يتبعها بين شطي الكوفة والعباسية مع التشديد على ضرورة منع زراعة الشلب على حوضي دجلة ونهر ديالى لعدم توفر المياه وحصر زراعته على منطقة الفرات الأوسط وبشكل خاص في محافظتي النجف والديوانية الجنوبيتين ولمساحات محدودة في منطقة الرميثة بمحافظة السماوة الجنوبية واعتبار الفترة من 25 حزيران ولغاية منتصف تموز موعدا لإطلاق الرية الأولى بالنسبة لمحصول الذرة الصفراء . كما تم الاتفاق على أن يكون هناك تنسيق مستمر وعلى شكل اجتماعات أسبوعية بين مدراء الزراعة والموارد المائية في المحافظات لغرض متابعة تنفيذ الخطة الصيفية لعام 2008.

وقد أتخذت وزارة الموارد المائية عددًا من الإجراءات التي وجهت تنفيذها بمختلف محافظات العراق تمثلت باستخدام نظام المناورة في تشغيل السدود والخزانات لضمان نجاح مواجهة نقص الإمدادات من خلال تطوير منصات محطات ضخ مشاريع أسالات الماء كافة والواقعة على عمودي نهر دجلة والفرات وروافدهما من قبل مديريات الإسالة وبالتنسيق مع مديريات الموارد المائية في المحافظات وإزالة المخالفات والتجاوزات كافة وتطبيق نظام المحاصصة ضمن المشاريع الاروائية وبموجب القانون رقم (12) لسنة 1995 وتعديلاته لضمان التوزيع العادل للحصص المائية وتطبيق نظام المناوبات في تشغيل محطات الضخ (الحكومية والأهلية) الواقعة على أعمدة الأنهر الرئيسة لضمان الحصص المائية للأقسام السفلى من النهر اضافة الى التقييد بالكثافة الزراعية واللجوء الى السقي بالضخ قدر الإمكان في الجداول التي تتطلب مناسيب عالية.

وفي الختام، إتفق المختصون على ضرورة تأمين المياه للرية الأولى للزراعة الشتوية بالموسم المقبل وعلى ضوء التشغيل السليم للموارد المائية المتاحة حالياً وفي حالة حدوث أي تحسن في الإيرادات لنهري دجلة والفرات من خارج العراق سيكون هناك فرصة لتأمين خزين للموسم الشتوي المقبل .

ومن جهتها، قالت القوات المتعددة الجنسيات في العراق في بين صحافي الى "ايلاف" ان خبراءها يعملون على مواجهة شحة المياه في العراق باعتبار ان الماء هو العنصر الوحيد الذي يحتاج إليه الناس للبقاء على قيد الحياة، وإن نقصه في اي منطقة ذات كثافة سكانية عالية يمكن ان يؤدي الى عواقب كارثية.

وأشارت الى ان نقص المياه يعتبر جزءًا من أشهر الصيف الساخنة في أحياء معدودة من بغداد حيث أن خبراء القوات وبالتعاون مع العراقيين يحاولون حل هذه المشكلة خطوة فخطوة. وقالت إن سلطات بغداد الخاصة بالمياه ومجلس محافظة بغداد، وكذلك جنود الفرقة المتعددة الجنسيات في بغداد ملتزمون بالقضاء على أزمة نقصان المياه التي يتم التواجه معها خلال أشهر الصيف في إحياء معينة من بغداد وبالتحديد في مدينة الصدر وإحياء شرق وغرب قاطع الرشيد جنوب العاصمة. وأشار المهندس البريطاني "فايك كارين" والذي يعمل كمهندس مياه في قسم الشؤون المدنية ضمن الفرقة المتعددة الجنسيات في بغداد الى "ان سبب أزمة المياه في هذه المناطق يعود الى نقص شبكات المياه اللازمة لتزويد المواطنين بالمياه هناك". وأضاف "كانت المياه في الماضي تتوزع بسهولة من مركز معالجة المياه المركزي الى مختلف بغداد وحسب الحاجة ولكن ذلك لم يكن إلا عملية إصلاح سريعة ولم تؤدِ الى حل المشكلة بصورة كاملة . وقد تم إنفاق حوالى ثلاثة ملايين دولار في كل سنة على عملية توزيع المياه الصالحة للشرب في تلك المناطق ولكن الى الآن فإن المشكلة تعود كل عام".

وفي هذا العام، تم نصب محطات صغيرة لمعالجة المياه تدعى (روبو) والتي هي وحدة احتياطية لتنقية المياه تم وضعها في العديد من المراكز الأمنية المشتركة الرئيسة. ويقول كارين إنه من تلك الأماكن يمكن للمياه ان تنساب بسهولة الى الأحياء السكنية. وأشار الى ان جنود الفرقة المتعددة الجنسيات في بغداد لم يكونوا لوحدهم في تنفيذ المشروع بالرغم من كونهم كانوا قد شكلوا دورًا مهمًا في توفير المعدات اللازمة لإنجاز المهمة. وأضاف كارين "هناك ثلاثة شركاء في هذا، الفرقة المتعددة الجنسيات وستقوم بتوفير (الربو) وخزانات المياه.. بينما سيقوم مجلس محافظة بغداد سيدفع الأموال وتقوم سلطات مدينة بغداد للمياه بتنظيم عمل سيارات نقل المياه ونقلها الى المناطق المناسبة وستتولى أيضًا المسائل اللوجستية. وأوضح أن وحدات (الربو) المنتشرة في المراكز الأمنية المشتركة تعتبر خطة قصيرة الآجل للمساعدة في الحفاظ على منسوب ثابت من تدفق المياه الى المناطق التي هي بحاجة إليه بينما الخطة الطويلة المدى والتي تتضمن إنشاء وترميم شبكات المياه في بغداد فهي مستمرة.

وقال "إن الخطة الطويلة المدى بالنسبة إلى سلطات بغداد للمياه تتضمن نشر شبكات المياه في المنطقة، ونحن نأمل ان تنتهي مشكلة المياه بحلول عام 2009 ". وزاد ان العديد من هذه المدن هي مناطق جديدة ولذلك فإن أنظمة توزيع المياه يجب ان يتم إنشاؤها وربطها من اجل القضاء بصورة تامة على أزمة المياه خلال فصل الصيف.

ومن جهته قام (اندي باسن) وهو مهندس من مدينة فيلاديفيا ويعمل رئيسًا لمجموعة ضمن فريق إعادة الإعمار المحلي التابع الى الفرقة المتعددة الجنسيات في بغداد، بزيارة منطقة 9 نيسان في مدينة بغداد وقال اثر ذلك "نحن مدركون تمامًا ان هذه المنطقة ستمر بأزمة حادة بخصوص نقص مياه الشرب خلال هذا الصيف كما يحصل معها كل صيف" . وأضاف "في العام الماضي تم القضاء على الأزمة عن طريق المتعهدين الذين قاموا بتوزيع مياه الشرب على المواطنين، لكن هذه العملية لن تكون متوافرة خلال فصل الصيف المقبل.

وأضاف ان وحدات (الربو) تحقق غرضين ليس فقط كونها تقوم بتنقية وتخزين المياه أو السماح بسهولة توزيع المياه فيما بين الأحياء السكنية في بغداد وإنما أيضًا ستقوم بتزويد الجنود الاميركيين والعراقيين المتواجدين في تلك المراكز الأمنية المشتركة بمياه عذبة للشرب . وأكد انه على الرغم من أن انجاز أنظمة المياه في تلك الأحياء الأربعة سيستغرق بعض الوقت، فإن المسؤولين يأملون ان تقوم وحدات الربو في المراكز الأمنية المشتركة الرئيسة بعمل فاعل وسلس لتزويد سكان بغداد بالمياه. (إيلاف)



ترجم هذه المادة الى الإنجليزية

AddThis Social Bookmark Button


آراء وتعليقات :    


هل لديك تعليق أو ملاحظات ؟ شارك الآن...

الإسم :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق :
التعليق :



مسارك داخل الموقع : إنسان > الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية > الحق في الغذاء الكافي > تحكم الجوار بالمياه يهدد حياة ثلث العراقيين



      
    

© 2008 - إنسان - شبكة حقوق الإنسان.
جميع الحقوق محفوظة ويمكن النقل عن الموقع بشرط الإشارة الى المصدر.