كيف ينظر
العراقيون المقيمون في ايران الى تغيير نظام صدام الذي هجرهم وكيف يقيمون الأحداث
التي تلت سقوط النظام الديكتاتوري، ما هي تطلعاتهم الى المستقبل باعتبارهم شريحة
عراقية مازالت تتمسك بهويتها وانتمائها العراقيين.
ابتدأنا هذا الحوار من مدينة قم حيث أكبر جالية للعراقيين في
ايران، ومن شارع ارم المحاذي لمرقد السيدة فاطمة المعصومة تحديدا، حيث يتوزع
العراقيون اما في المؤسسات والمراكز الثقافية أو ومحال بيع الفلافل والخضار ومكاتب
الخدمات السياحية.
حسن
الجواهري، محقق في مؤسسة تراثية، رأى أن سقوط النظام الصدامي حدثا عظيما في تاريخ
العراق لم يستثمر لخدمة العراق والعراقيين "الاحداث العظيمة في التاريخ بحاجة
دائمة لاستثمارها، سقوط النظام الديكتاتوري كان خطوة اولى من أجل فتح عهد جديد،
لكن الأحداث التي تلت السقوط مؤلمة للغاية، إعتقدت في التاسع من نيسان أن حلمي في
العودة الى بلادي صار حقيقة أكيدة، وتفاءلت بمشروع درج القومية الفارسية ضمن
القوميات المكونة للمجتمع العراقي، لكن الصدمة الكبرى بالنسبة لي ولالاف العراقيين
من ذوي الاصول الفارسية، كانت حينما أدركنا أن مجرد الاعتراف بنا كعراقيين ليس
بالامر السهل، فاخواننا الاكراد الفيليون طرحوا جريمة التهجير التي نفذها النظام
الديكتاتوري وكأنها شملتهم وحدهم دون غيرهم، اما القوميون العرب فلايستطيعون حتى
تخيل وجود اقلية عراقية وفارسية في آن، والطامة الكرى كانت من مسؤولين في الحكم
الجديد فهم يحاولون تجنب الاشارة لهذه الاقلية كي يدفعوا عن أنفسهم تهمة إرتباطهم
بايران، لقد سقط النظام الذي هجـّرنا واعتقل شبابنا ثم أعدمهم والذي صادر جميع
ممتلكاتنا، لكن الحكومة الجديدة غير قادرة حتى الان على مجرد الاعتراف بوجود اقلية
فارسية في العراق إذ دائما يتم الخلط مع قضية الكورد الفيليين، فكيف يمكن أن تكون
فرحتي مكتملة ان لم يتم الاعتراف بعراقيتي؟".
سارة عبد
الحسين، مصححة لغوية في مؤسسة الكوثر " لقد غمرتنا فرحة كبيرة بسقوط نظام
صدام، لكن فيما يخصنا كعراقيين مارس النظام السابق عملية ابادة عرقية تجاهنا، نحن
نطالب بحقوقنا، وحقوقنا بالنسبة للحكومة العراقية تختصر بتزويدنا بالوثائق
العراقية الرسمية وزجنا في متاهة المراجعات الادارية مع المالكين لعقاراتنا، كان
من المفروض ان يتم الاعتراف بالاقلية الفارسية في العراق كقومية من قوميات المجتمع
العراقي وتعويضهم عن ممتلكاتهم، لقد سقط النظام الديكتاتوري، ولكن هذا لايعني لي
كل شئ، فلا يمكنني ان اجازف بترك وظيفتي هنا في ايران، لأتابع اعادة ممتلكاتي في
بلدي الذي لا أملك سكنا فيه، فهل من المعقول ان استأجر غرفة في فندق في مسقط رأسي
كي أتابع الاجراءات القانونية لاسترداد بيتي، خصوصا وأن عملية كهذه قد تستغرق
شهورا او ربما سنوات.
ضياء
محمد يدير مكتبا للخدمات السياحية قال لايلاف :"في التاسع من نيسان عام 2003 خرجنا بالمئات الى الساحة المجاورة لمرقد السيدة معصومة وعبرنا
عن شعور الفرح والبهجة بانتهاء الحقبة الصدامية، انها حقبة انتهت، حقبة ديكتاتورية
دموية، بعض المسؤولين في الحكومة الجديدة يعتقدون ان على المواطن العراقي ان يحيي
هذه المناسية كل عام، وهم بذلك يغفلون ان تلك الحقبة الدموية قد انتهت بالنسبة
للمواطن العراقي، انه يفكر بالراهن والمستقبل، وتفكير كهذا يفتح ملف الانجازات
التي قدمها الحكم الجديد للمواطن العراقي، كعراقيين مهجرين نعيش في ايران اكثر من
25 عاما نرى من حقنا ان لا يتجاهل المسؤولون العراقيون قضيتنا، تعرضنا كقومية
عراقية من ذات اصول فارسية الى جريمة بشعة فاقت من ناحية العدد شهداء حلبجة، بعض
المصادر تشير الى ان العراقيين من ذوي الأصول الفارسية كانوا يقدرون بسبعين الف
مواطن عراقي، وهم الآن أكثر من 130 ألف يعيشون في ايران، فقد نشأ جيل جديد يعتز
بانتمائه وهويته، لن أتطرق لنفس المعاناة التي يشاركنا فيها اخواننا الكورد
الفيليين، فلهم مؤسساتهم واحزابهم وجمعياتهم، كما لا يمكن غض النظر عن هذه
المعاناة بذؤيعة ان هناك مئات الالوف ممن هجروا في عمليات التهجير الطائفي ".
في
محلة كذر خان لبيع الخضار التقينا بالحاج أبو سالم، رجل في السبعين من عمره يمتلك
عربة صغيرة لبيع الخضار :" تم تهجيري من بغداد محلة الرحمانية في نيسان 1980،
وفي نيسان 2003 كان يراودني الأمل بالعثور على ابنائي الخمسة كريم وجعفر وهادي
وعباس وحسين، الذين اعتقلهم النظام لسبب واحد هو أصلهم الفارسي، شعرت بالفرح لسقوط
المجرم صدام، لكنني عشت اياما عصيبة حينما قرأت اسماءهم ضمن قوائم الشهداء :.
ومن
وجهة نظر محمد جواد علي وهو مترجم في مؤسسة حوزه هنري فان أغلب العراقيين المقيمين
حاليا في ايران هم من المهجرين" المسفرين " سواء في يزد او قم او دولت
اباد بطهران وقد احتفلوا بسقوط الديكتاتور و كانوا على يقين بان الحكم الجديد سوف
يضمن لهم حقوقهم التي سلبت منهم، يضيف محمد جواد :" باعتقادي أن اصل المشكلة
تكمن في فشل الساسة العراقيين في تبني قضية في منتهى البساطة، الاعتراف بوجود
قومية فارسية في العراق انتماؤها الاول والاخير للعراق ولا علاقة لها بتبعية او
عمالة ساسة محسوبين عليها، اذ ان العمالة للاجنبي مسألة يحاكم عليها الفرد،
ومعاقبة اقلية بكاملها استنادا الى سلوك بعض من أفرادها يستوجب معاقبة كل القوميات
في العراق، ولعل من الاسباب التي أدت الى هذا الاخفاق في الاعتراف يهذه الشريحة هو
اعتقاد الكورد الفيليين ان قوميتهم هي المقصودة من ادراج الاقلية الفارسية في حين
ان نظرة سريعة لتاريخ العراق الحديث تثبت ان القومية الفارسية قومية مستقلة بحد
ذاتها ولا علاقة لها بالكورد الفيلية.
وسواء كانوا
من العراقيين الفرس او من الكورد الفيليين فان هذه الشريحة من العراقيين تعيش في
ايران في اجواء انعدام امل مضاعف، فقد أيقنوا أن استقرار الوضع في العراق، لن تؤثر
على أوضاعهم كثيرا، فالمسؤولون في الحكم الجديد هم أكثر الناس معرفة بمعاناتهم
وأقلهم نشاطا في رفع هذه المعاناة عنهم.وبذلك يبقى نيسان شهرا غامضا بالنسبة
للعراقيين في ايران انه الشهر الذي تم فيه سبيهم وتهجيرهم من بلادهم وهو الشهر
الذي شهد سقوط النظام الذي اضطهدهم، ومنذ نسان 2003 أدرك هؤلاء العراقيون ان الحلم
بالعودة صار أكثر صعوبة انه شهر الفرحة المؤودة حسب تعبير جبوري الرجل المسن الذي
يعتاش من عربة ضغيرة لحمل حقائب المسافرين.
حاتم
عبد الكريم حسن يشير الى نقطة مهمة اخرى بخصوص معاناة العراقيين في ايران "
مارس النظام السابق اضطهادا جماعيا ضدنا وهذه حقيقة معروفة، لكن المشكلة في
تصريحات وزير الهجرة والمهجرين السيد عبد الصمد سلطان، فرغم انه عاش أكثر من عشرين
عاما في مدينة قم لكننا لم نسمع او نقرا له تصريحا واحدا يشير الى معاناة
العراقيين من ذوي الأصول الفارسية، ويكاد يحصر عمليات التهجير القسري التي
ارتكبتها الحكم البعثي بالاكراد الفيليين فقط ".